حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها * من ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت * بين المعالم والطلول الخضع
تبكي إذا ذكرت عهودا بالحمى * بمدامع تهمي ولما تقلع
وتظل ساجعة على الدمن التي * درست بتكرار الرياح الأربع
إذ عاقها الشرك الكثيف فصدها * قفص عن الأوج الفسيح الأرفع
حتى إذ قرب المسير إلى الحمى * ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت * ما ليس يدرك بالعيون الهجع
وغدت مفارقة لكل مخلف * عنها حليف الترب غير مشيع
وبدت تغرد فوق ذروة شاهق * والعلم يرفع كل من لم يرفع
إن كان أرسلها الإله لحكمة * طويت عن الفطن اللبيب الأروع
فهبوطها إذ كان ضربة لازم * لتكون سامعة لما لم تسمع
وتعود عالمة بكل خفية * في العالمين فخرقها لم يرفع
فلأي شئ أهبطت من شاهق * سام إلى قعر الحضيض الأوضع
وهي التي قطع الزمان طريقها * حتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألق بالحمى * ثم انطوى فكأنه لم يلمع
ونقل عن صاحب الاثني عشرية لصاحب الزكام قوله :
في أول النزلة فصد وفي * أواخر النزلة حمام
بينهما ماء شعير به * صحت من النزلة أجسام
ومن شعره ما في عيون الأنباء وهو قوله في الحكمة الزهد من أبيات :
أما أصبحت عن ليل التصابي * وقد أصبحت عن ليل الشباب
شبابك كان شيطانا مريدا * فرجم من مشيبك بالشهاب
عفا رسم الشباب رسم دار * لهم عهدي بها مغنى رباب
فذاك ابيض من قطرات دمعي * وذاك أخضر من قطر السحاب
فذا ينعى إليك النفس نعيا * وذا لكم نشور للروابي
كذا دنياك ترأب لانصداع * مغالطة وتبنى للخراب
ويعلق مشمئز النفس عنها * باشراك تعوق عن اضطراب
فلولاها لعجلت انسلاخي * عن الدنيا وان كانت اهابي
عرفت عقوقها فسلوت عنها * فلما عفتها أغريتها بي
بليت بعالم يعلو أذاه * على صبري ويسفل عن عتابي
وقوله من قصيدة :
ليت الطلول أجابت من به ابدا * في حبهم صحة في حبهم سقم
أو علها بلسان الحال ناطقة * قد تفهم الحال ما لا تفهم الكلم
الشيب يوعد والآمال واعدة * والمرء يغتر والأيام تنصرم
ما لي أرى حكم الأفعال ساقطة * واسمع الدهر قولا كله حكم
ما لي أرى الفضل فضلا يستهان به * قد أكرم النقص لما استنقص الكرم
سيان عندي ان بروا وان فجروا * فليس يجري على أمثالهم قلم
ليسوا وان نعموا عيشا سوى نعم * ربما نعمت في عيشها النغم
الواجدون غنى العادمون نهى * ليس الذي وجدوا مثل الذي عدموا
أسكنت بينهم كالليث في أجم * رأيت ليثا له من جنسه أجم
باي مأثرة ينقاس بي أحد * باي مكرمة تحكيني الأمم
اني وان كانت الأقلام تخدمني * كذاك يخدم كفي الصارم الخذم
قد أشهد الروع مرتاحا فأكشفه * إذا تناكر عن تياره البهم
والبيض والسمر حمر تحت عثيره * والموت يحكم والأبطال تختصم
أما البلاغة فاسألني الخبير بها * انا اللسان قديما والزمان فم
ولو وجدت طلاع الشمس متسعا * لحط رحل عزيمي كنت اعتزم
وغشيت صفحات الأرض معدلة * فالأسد تنفر عن مرعى به غنم
لكنها بعقة حف الشقاء بها * فكل صاع إليها صاغر سدم
وقوله من أبيات :
هو الشيب لا بد من وخطه * فقرضه وأخضبه أو غطه
فلا تجزعن لطريق سلكت * كم انبت غيرك في وسطه
ولا تجشعن فما ان ينال * من الرزق كل سوى قسطه
وكم حاجة بذلت نفسها * ففوتها الحرص من فرطه
إذا أخصب المرء من عقله * نشأ في الزمان على قحطه
ومن عاجل الحزم في عزمه * فان الندامة من شرطه
إذا ما أحال أخو زلة * على العذر فاعجل على بسطه
وكم عاند النصح ذو شيبة * عناد القتاد لدى خرطه
يحاول حطي عن رتبتي * قد ارتفع النجم عن حطه
يظل على دهره ساخطا * وكم يضحك الدهر من سخطه
وقوله من قصيدة :
قفا نجزي معاهدهم قليلا * نغيث بدمعنا الربع المحيلا
لقد عشنا بها زمنا قصيرا * نقاسي بعدهم زمنا طويلا
ومن يستثبت الدنيا بحال * يرم من مستحيل مستحيلا
وقوله :
أوليتني نعمة مذ صرت تلحظني * كافي الكفاة بعيني مجمل النظر
كذا اليواقيت فيما قيل نشأتها * من حسن تأثير عين الشمس في القمر
وفي عيون الأنباء شكا إليه الوزير أبو طالب العلوي آثار بثر بدا على
جبهته ونظم شكواه شعرا وأرسله إليه وهو :
صنيعة الشيخ مولانا وصاحبه * وغرس انعامه بل نش ء نعمته
يشكو إليه أدام الله مدته * آثار بثر تبدى فوق جبهته
فامنن عليه بحسم الداء مغتنما * شكر النبي له مع شكر عترته
فاجابه الشيخ عن أبياته ووصف له في جوابه علاجا كان به برؤه
فقال :
الله يشفي وينفي ما بجبهته * من الأذى ويعافيه برحمته
أما العلاج فاسهال يقدمه * ختمت آخر أبياتي بنسخته
وليرسل العلق المصاص يرشف من * دم القذال ويغني عن حجامته
واللحم يهجره الا الخفيف ولا * يدني إليه شرابا من مدامته
والوجه يطليه ماء الورد معتصرا * فيه الخلاف مدافا وقت هجمته
ولا يضيق منه الزر مختنقا * ولا يصيحن أيضا عند سخطته
هذا العلاج ومن يعمل به سيرى * آثار خير ويكفي امر علته
وقوله :
هذب النفس بالعلوم لترقى * وذر الكل فهي للكل بيت
إنما النفس كالزجاجة والعلم * سراج وحكمة الله زيت
فإذا أشرقت فإنك حي * وإذا اظلمت فإنك ميت
وقوله في الخمر :
صبها في الكاس صرفا * غلبت ضوء السراج
ظنها في الكاس نار * فطفاها بالمزاج
أعيان الشيعة — صفحة 79
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٧٩