وحمل إلى المتقي هدايا عظيمة والى وزيره وأصحابه واجتهد بالمتقي
ليسير معه إلى مصر والشام فلم يقبل وأشار عليه بالمقام مكانه ولا
يرجع إلى بغداد وخوفه من توزون فلم يفعل وفي مروج الذهب
واتصلت كتب توزون بالمتقي وتواترت رسله يسأله الرجوع إلى الحضرة
وأشهد توزون القضاة والفقهاء والشهود وأعطى العهود والمواثيق بالسمع
والطاعة للمتقي وانفذ اليه كتب القضاة والشهود بما بذل من الايمان وأعطى
من العهود وأشار بنو حمدان على المتقي ان لا ينحدر وخوفوه من توزون
وحذروه امره فإنه لا يأمنه على نفسه فأبى الا مخالفتهم والثقة بما ورد عليه
من توزون أقول وهذا ينافي ما مر عن ابن الأثير من أن المتقي رأى من
بني حمدان تضجرا به ثم قال المسعودي وقد كان بنو حمدان انفقوا على المتقي
نفقة واسعة عظيمة طول مقامه عندهم واجتيازه بهم يكثر وصفها باكثار
المخبرين لنا بتحديدها اه .
رجوع المتقي إلى بغداد
قال ابن الأثير في حوادث سنة 333 فسار المتقي إلى بغداد فلما
وصل إلى هيت ارسل من جدد اليمين على توزون وحضر توزون فلقيه
بالسندية ونزل فقبل الأرض وقال ها قد وفيت بيميني ثم سمله فأعماه
فصاح وصاح من عنده من الحرم والخدم فامر توزون بضرب الدبادب لئلا
تظهر أصواتهم وهيهات ان يكون وفي يمينه .
ما جرى لناصر الدولة في خلافة المستكفي .
قال ابن الأثير في حوادث سنة 333 أيضا فيها سار توزون ومعه
المستكفي من بغداد يريدان الموصل وقصدا ناصر الدولة لأنه كان قد حمل
المال الذي عليه من ضمان البلاد واستخدم غلمانا هربوا من توزون وكان
الشرط بينهم انه لا يقبل أحدا من عسكر توزون وترددت الرسل في الصلح
فاصطلحوا وانقاد ناصر الدولة لحمل المال وعاد المستكفي وتوزون إلى
بغداد . وقال في حوادث سنة 334 فيها مات توزون ببغداد وكان ابن
شيرزاد بهيت فعزم على عقد الامارة لناصر الدولة بن حمدان فاضطربت
الأجناد وعقدوا الرياسة عليهم لابن شيرزاد وصار يخاطب بأمير الامراء وزاد
الأجناد زيادة كثيرة فضاقت عليه الأموال فأرسل إلى ناصر الدولة يطالبه
بحمل المال ويعده برد الرياسة اليه فانفذ له خمسمائة ألف درهم وطعاما
كثيرا ففرقها في عسكره فلم يؤثر فظلم الناس في تقسيط الأموال واستعمل
على تكريت الفتح الشكري فسار إلى ناصر الدولة بالموصل وصار معه فأقره
على تكريت .
الحرب بين ناصر الدولة ومعز الدولة .
قال ابن الأثير في حوادث سنة 334 فيها سير معز الدولة عسكرا
فيهم موسى قيادة وينال كوشة إلى الموصل في مقدمته فلما نزلوا عكبرا أوقع
ينال كوشة بموسى قيادة ونهب سواده ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة
وكان قد خرج من الموصل نحو العراق ووصل ناصر الدولة إلى سامراء
ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب معز الدولة بعكبرا فلما سار عن بغداد
لحق ابن شيرزاد وهو أمير الامراء بناصر الدولة وعاد إلى بغداد مع
عسكر لناصر الدولة فاستولوا عليها ودبر ابن شيرزاد الأمور بها نيابة عن
ناصر الدولة وناصر الدولة يحارب معز الدولة ثم سار ناصر الدولة من
سامراء إلى بغداد فأقام بها فلما سمع معز الدولة الخبر سار إلى تكريت فنهبها
لأنها كانت لناصر الدولة وعاد الخليفة معه إلى بغداد فنزلوا بالجانب الغربي
ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي ولم يخطب للمطيع ببغداد ثم وقعت
الحرب بينهم ببغداد وانتشرت اعراب ناصر الدولة بالجانب الغربي فمنعوا
أصحاب معز الدولة من الميرة والعلف فغلت الأسعار على الديلم وكان
السعر عند ناصر الدولة رخيصا كانت تأتيه الميرة في دجلة من الموصل ومنع
ناصر الدولة من المعاملة بالدنانير التي عليها اسم المطيع وضرب دنانير
ودراهم على سكة سنة 331 وعليها اسم المتقي واستعان ابن شيرزاد
بالعيارين والعامة على حرب معز الدولة فكان يركب في الماء وهم معه يقاتل
الديلم وفي بعض الليالي عبر ناصر الدولة في ألف فارس لكبس معز الدولة
فلقيهم اسفهدوست فهزمهم وكان من أعظم الناس شجاعة وضاق الامر
بالديلم حتى عزم معز الدولة على العود إلى الأهواز وقال نعمل معهم حيلة
هذه المرة فان أفادت والا عدنا فرتب ما معه من المعابر بناحية التمارين
وامر وزيره أبا جعفر الصيمري واسفهدوست بالعبور ثم اخذ معه باقي
العسكر واظهر انه يعبر في قطربل وسار ليلا ومعه المشاعل على شاطئ دجلة
فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بإزائه ليمنعوه من العبور فتمكن الصيمري
واسفهدوست من العبور فعبروا وتبعهم أصحابهم فلما علم معز الدولة بعبور
أصحابه عاد إلى مكانه فعلموا بحيلته فلقيهم ينال كوشة في جماعة أصحاب
ناصر الدولة فهزموه واضطرب عسكر ناصر الدولة وملك الديلم الجانب
الشرقي وأعيد الخليفة إلى داره في المحرم سنة 335 واستقر معز الدولة
ببغداد واقام ناصر الدولة بعكبرا وارسل في الصلح بغير مشورة من الأتراك
التوزونية فهموا بقتله فسار عنهم مجدا نحو الموصل ثم استقر الصلح بينه
وبين معز الدولة في المحرم سنة 335 . وفي مروج الذهب قال إن المستكفي
قبض عليه أحمد بن بويه الديلمي وسمل عينيه وذلك أن الحرب لما طالت
بين أبي محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان وكان في الجانب الشرقي وبين
أحمد بن بويه الديلمي وكان في الجانب الغربي والمستكفي معه اتهم الديلمي
المستكفي بمسالمة بني حمدان ومكاتبتهم باخباره واطلاعهم على أسراره مع ما
كان تقدم له في نفسه فسمل عينيه وولى المطيع وأعمل الديلمي الحيلة
فاظهر انه يريد السفر بالديلم فحملهم في السفن مع بوقات ودبادب في
الليل وألقاهم في مواضع كثيرة من الشارع إلى الجانب الشرقي فتوجهت له
على بني حمدان الحيلة فخرجوا نحو الموصل من بعد احداث كثيرة بين
الأتراك وبينهم ببلاد تكريت واستوثق الامر لأحمد بن بويه الديلمي اه .
وهذا يخالف ما ذكره ابن الأثير من وجوه أولا ان ابن الأثير ذكر ان
الذي سمل المستكفي هو المطيع لا ابن بويه فقال ولما بويع المطيع سلم اليه
المستكفي فسمله ثانيا انه ذكر كما مر ان الذي كان مع معز الدولة لما كان
يحارب ابن حمدان هو المطيع لا المستكفي ثالثا انه ذكر ان سبب قبض
ابن بويه على المستكفي ان علم القهرمانة صنعت دعوة عظيمة حضرها
جماعة من قواد الديلم والأتراك فاتهمها معز الدولة انها فعلت ذلك لاخذ
البيعة عليهم للمستكفي وان يزيلوا معز الدولة لا لأنه اتهمه بمراسلة بني
حمدان والله أعلم ويدل كلام آخر للمسعودي ان معز الدولة لما كان يحارب
ناصر الدولة ببغداد كان معه المستكفي وان المطيع وهو الفضل بن المقتدر
كان في ذلك الوقت مختفيا ببغداد ولم يكن قد ولي الخلافة حيث قال كان
المستكفي حين ولي الخلافة طلب الفضل بن المقتدر لما كان بينهما من العداوة
فهرب الفضل وقيل إنه هرب إلى أحمد بن بويه الديلمي معز الدولة
منتصرا وأحسن إليه أحمد ولم يظهره فلما مات توزون ودخل الديلمي إلى
بغداد وخرج الأتراك عنها سار إلى ناصر الدولة وانحدر معه فكان بينه وبين
أعيان الشيعة — صفحة 141
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص١٤١