بجلالة مقدار صاحب الترجمة ، وأشرت عليه بنصبه فباشر القضاء مباشرة حسنة مشكورة ، وابتهج الناس بقبوله لذلك ، وأثنوا على الخليفة حفظه اللّه بانتخاب مثله فإنه من أكابر علماء العصر وأفاضل أبناء الدهر والحمد للّه رب العالمين .
وهو مع اشتغاله بمنصب القضاء لم يدع الاشتغال بالعلم بل هو مستمرّ على التدريس للطلبة في الكتب الحافلة ، وقد دار بيني وبينه مباحثات نافعة ومراجعات جيّدة وترافقنا في القراءة على شيخنا المغربيّ في الكشاف وفي شرح بلوغ المرام ، وبيني وبينه مطارحات أدبية ، فمن ذلك [ 72 ب ] أني كتبت إليه قصيدة أيام الطلب مطلعها :
برق سرى فأثار في أحشائي * نار الهوى بعد اندراس هوائي
فأجاب صاحب الترجمة بقصيدة طويلة أولها :
أرياض روض أشرقت أزهاره * تفترّ عن بشر وعن سرّاء
أم لؤلؤ الأصداف قد صادفته * في رقة وملاحة وبهاء
أم يوشع في العصر قد ردّت له * شمس النهار بحندس الظّلماء
أم هذه عين البلاغة قلّدت * بقلائد العقيان للبلغاء
ودلايل الإعجاز في تبيانها * تبدو بإيضاح لدى الفصحاء
أسرار لطف اللّه حلّت لفظها * فتنزّهت عن وصمة وخطاء
والسعد لمّا لاح في إيجازها * صار الشريف لها من الخدماء
وهي أبيات طويلة كالأصل ونظمه الآن عافاه اللّه أعلى من هذه الطبقة فهي من أوائل نظمه ، وله رسائل يحرّرها إذا ورد إليه سؤال أو وقعت المباحثة بينه وبين أحد العلماء ، وقد كان شرع في جمع تاريخ ولعله لم يكمل « 1 » .
هامش
( 1 ) وكانت وفاته في سنة 1240 أربعين ومائتين وألف وقيل ذلك .
حاشية الطبعة السابقة .