كان الناصر لا يفعل شيئا إلا بعد مشاورته ولم يكتب هو إلى السلطان في شيء فيردّه فيه إلا نادرا . ولم يتفق في طول ولايته أنه ولّى أميرا ولا نائبا ولا قاضيا ولا وزيرا ولا كاتبا إلى غير ذلك من جليل الوظائف وحقيرها برشوة ولا طلب مكافأة ، بل ربما كان يدفع إليه المال الجزيل لأجل ذلك فيردّه ويمقت صاحبه ، وكان يتردّد إلى القاهرة بإذن السّلطان فيبالغ في إكرامه واحترامه حتى قال النّشو مرة : إن الذي خصّ [ تنكز ] في سنة ( 733 ) خاصّة مبلغ ألف ألف وخمسين ألفا خارجا عن الخيل والسّروج . وكان قد سمع الحديث من عيسى المطعم ، وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم ، وابن الشّحنة وغيرهم ، ولمّا حجّ قرأ عليه بعض المحدّثين بالمدينة الشريفة ثلاثيات البخاري . ومن مبالغة السلطان في تعظيمه أنه روى عنه الأمير سيف الدين أنه قال له مرة : لي مدة طويلة أطلب من الناس شيئا لا يفهمونه مني ، وهو أني لا أقضي لأحد حاجة إلا على لسان ( تنكز ) ودعا له بطول العمر . قال : فنقلت ذلك إلى ( تنكز ) فقال له أموت أنا في حياة السلطان . قال فبلغت السلطان ذلك فقال لا قل له أنت إذا عشت بعدي نفعتني في أولادي وأهلي ، وأنت إذا متّ قبلي أيش أعمل أنا مع أولادك أكثر مما عملت معهم في حياتك [ 79 ] .
ولتنكز مآثر في دمشق مساجد ومدارس ورباطات . وحج في سنة ( 721 ) ويقال : إنه قدم القاهرة بعد حجّه فأمر السلطان الأمراء يهادونه فكانت جملة ما قدّم إليه ثمانين ألف دينار . وكان الناس في ولايته آمنين على أنفسهم وأموالهم وحريمهم وأولادهم [ وأموالهم ] « 1 » وكان يتوجّه في كل سنة إلى الصيد ، ويصيد أياما وكان مثابرا على الحق ونصر الشرع ، إلا أنه كان كثير التخيل سريع الغضب شديد الحدّة ولا يقدر أحد على مراجعته مهابة له ، وإذا بطش بطش بطشة الجبارين ، وإذا غضب على أحد لا يزال ذلك المغضوب عليه في انعكاس وخمول إلى أن
هامش
( 1 ) زيادة من [ ب ] .