على كل من له اشتغال بالعلم فلم يوافقه أحد على ذلك فعاد يعرضه على المقصّرين والعوامّ ويوهمهم بأوهام لا حقيقة لها فكادت تثور فتنة وقى اللّه شرّها .
ثم طلبت منه إرجاع كتابي فما ساعد كل هذا وله من الفهم والعرفان نصيب تامّ وهو لا يخفى عليه خطأ نفسه وبطلان ما زعمه ولم يرع حقّ التعليم ، وبعد ذلك ترك الاشتغال بالعلم ولم يبق عليه من رونقه شيء . ورام أن يعود للقراءة عليّ فما ساعدته وأرجع الكتاب المشار إليه بعد سنين ومدحني بأبيات وأظهر الندم على ما سلف منه عفا اللّه عنه [ 38 ] . ومن جملة ما كتبه إليّ هذه القصيدة وفيها إشارة إلى ما قدّمته :
يا قاضيا لفظ ماض إذ تناوله * ذهابه كلّ منقوص من الكلم
ولم يزل كلّ ممدود يمدّ إلى * ما نال عينيه من فخر ومن كرم
وكلّ ما نال مقصور عليه فيا * ذا المدّ أقصر ولا تطمع ولا تحم
فالاسم مرجع ما يحويه من شرف * إلى مسمّاه من نعت ومن علم
قاض ببهجته الأيام مشرقة * كالشمس لكنّ نور الشمس لم يدم
فالحمد للّه دنيانا ببهجته * إشراقها غير مسلوخ عن الظّلم
قاض إذا جئته يوما لقيت به * كلّ الأفاضل من عرب ومن عجم
يخشى الخصوم ارتعادا من مهابته * حتى كأنّ بهم ضربا من اللّمم
لأن ما أضمروه في فراسته * من حسن إيمانه نار على علم
كم من ألدّ بلا ما زال ملتزما * من خوفه عادلا عنها إلى نعم
فالمبتغون لغير الحقّ في نقم * منه وكلّ محقّ منه في نعم
صحبته زمن التدريس مقتطفا * من روض أملاه نور الحكم والحكم
فكان برّا رؤوفا بي ومغتفرا * لزلّتي لم يعاتبني ولم يلم
أراه إن طال قولي في بشاعته * كأنه عن كلامي الغثّ في صمم
وغبت عنه زمانا واتصلت به * في رتبة هو فيها صاحب العلم
قاضي قضاة أمير المؤمنين على * يمينه قاعدا في الصدر لم يقم
فقام تعظيمه في صدر كلّ فتى * مسلّم للأكفّ الطّهر مستلم