وقال :
تلقاه طيفي في الكرى متجنبا * وقبلت يوما ظله فتغضبا
وخبر أني قد مررت ببابه * لأخلس منه نظرة فتحجبا
ولو مرت الريح الصبا عند أذنه * بذكري لسب الريح أو لتعتبا
ولم تجر مني خطرة بضميره * فتظهر إلا كنت فيها مسببا
وما زاده عندي قبيح فعاله * ولا الصد والاعراض الا تحببا
وكرر أبو تمام في غزله أن المحبوب يكاد لرقته أن يذوب من النظر
فقال :
قد قصرنا دونك * الأبصار خوفا أن تذوبا
كلما زدناك لحظا * زدتنا حسنا وطيبا
مرضت ألحاظ عينيك * فأمرضت القلوبا
ما نريد الشمس والبدر * إذا كنت قريبا
وقال : يا قضيبا لا * يدانيه من الآس قضيب
فوقه ألبان ومن * تحت تثنيه الكثيب
وغزالا كلما * مر تمنته القلوب
ذهبي الخد تثنيه * من الريح الجنوب
ما لمسناه ولكن * كاد من لحظ يذوب
وقال :
لي حبيب عصيت فيه النصيحا * ليس سمحا ولا بخيلا شحيحا
كلما قلت قد رثى لسقامي * زاد قلبي بهجره تبريحا
فأثبني من القطيعة بالوصل * وإلا فاردد فؤادي صحيحا
وقال :
سقى الله من أهوى على بعد نائه * واعراضه عني وطول جفائه
أبى الله إلا أن كلفت بحبه * فأصبحت فيه راضيا بقضائه
وأفردت عيني بالدموع فأصبحت * وقد غص فيها كل جفن بمائه
فان مت من وجد به وصبابة * فكم من محب مات قبلي بدائه
وقال :
ومنفرد بالحسن خلو من الهوى * بصير بأبواب التجرم والعتب
ولوع بسوء لا يعرف الوفا * يبيت على سلم ويغدو على حرب
وقال : وفاتن الألحاظ والخد * معتدل القامة والقد
صيرني عبدا له حسنه * والطرف قد صيره عبدي
وقال : شبيه الخد بالتفاح * والريقة بالخمر
بديع الحسن قد ألف * من شمس ومن بدر
له وجه إذا أبصرته * ناجاك عن عذري
تعالى الله ما تقدحه * عيناه في صدري
وقال :
معتدل كالغصن الناضر * أبلج مثل القمر الزاهر
جفونه ترشق أهل الهوى * بأسهم من طرفه الفاتر
إن لم تجد لي صحت بين الورى * ويلاه من ظبي بني عامر
وقال :
هذا هواك وهذه آثاره * أما الفؤاد فما يقر قراره
يصل الأنين بزفرة موصولة * بغليل شوق ليس تطفى ناره
من طرف ممتنع الرقاد متيم * أرق سواء ليله ونهاره
وقال :
أما والذي أعطاك بطشا وقوة * علي وأزرى بي وضعف لي بطشي
لقد خلق الله الهوى لك خالصا * ومكنه في الصدر مني بلا غش
سل الليل عني هل أذوق رقاده * وهل لضلوعي مستقر على فرشي
عناء بمن لو قال للشمس أقبلي * للبته أو جاءت على رغمها تمشي
قضيب من الريحان في غير لونه * وأم رشا في غير أكراعها الخمش
تبرى الهوى من كل حي وحل بي * فان مت يوما فاطلبوه على نعشي
وقال :
ومضمخ بالمسك في وجناته * حسن الشمائل ساحر الألفاظ
أبدا ترى الآثار في وجناته * مما يجرحها من الالحاظ
وتراه سائر دهره متبسما * فإذا رآني مر كالمغتاظ
في القلب مني والجوانح والحشى * من حبه حر كحر شواظ
وقال : يصدني عن كلامك الشفق * فالرسل بيني وبينك الحدق
حديثنا في الضمير متفق * وأمرنا في الجميع مفترق
توحي بأسرارنا حواجبنا * وأعين بالوصال ترتشق
وقال : متطلب بصدوده قتلي * فرد المحاسن وجهه شغلي
ألحاظه في الخلق مسرعة * فيما تريد كسرعة النبل
وقال :
رقادك يا طرفي عليك حرام * فخل دموعا فيضهن سجام
ففي الدمع إطفاء لنار صبابة * لها بين أثناء الضلوع ضرام
ويا كبدي الحرى التي قد تصدعت * من الوجد ذوبي ما عليك ملام
قضيت ذماما للهوى كان واجبا * علي ولي أيضا عليه ذمام
وقال من مطلع قصيدة يمدح بها المعتصم :
فحواك دل على نجواك يا مذل ( 1 ) * حتام لا يتقضى قولك الخطل
وان أسمح من تشكو اليه هوى * من كان أحسن شئ عنده العذل
ما أقبلت أوجه اللذات سافرة * مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول
إن شئت ان لا ترى صبرا لمصطبر * فانظر على أي حال أصبح الطلل
كأنما جاد مغناه فغيره * دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
ولو ترانا وإياهم وموقفنا * في موقف البين لاستهلالنا زجل
وقد طوى الشوق في أحشائنا بقر * عين طوتهن في أحشائها الكلل
فرغن للشوق حتى ظل كل شج * حران في نفسه عن نفسه شغل
طلت دماء هريقت عندهن كما * طلت دماء هدايا مكة الهمل
هانت على كل شئ فهو يسفكها * حتى المنازل والاحداج والإبل
يخزي ركام النقى ما في مآزرها * ويفضح الكحل في أجفانها الكحل
تكاد تنتقل الأرواح لو تركت * من الجسوم إليها حين تنتقل
ومن نفيس شعره في الغزل قوله :
هم أماتوا صبري وهم فرقوا * نفسي شعاعا في إثر ذاك الفريق
ان في خيمهم لمفعمة الحجلين * والمتن متن خوط وريق
وهي لا عقد ودها ساعة البين * ولا عقد خصرها بوثيق
هامش
( 1 ) المذل بفتح الميم وكسر الذال الذي يفشي سره - المؤلف -