التلمساني ، فعادت عليه بركة أنفاسهم فأتاه الفتح اللدنيّ .
فنظم بديعية في مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فاستبعد بعض المنكرين أن تكون من نظمه ، فاقترح عليه أن يشرحها ، فشرحها في مدّة شهر ، شرحا لطيفا في مجلّد . ثم نظم بديعية أخرى والتزم فيها تسمية النوع .
وشرع في إلقاء الدروس بالجامع الأموي فأقرأ بكرة النهار في عدّة فنون ، وبعد العصر في الجامع الصغير ، ثم الأربعين النووية ، ثم الأذكار النووية وغيرها .
وبايع في آخر عمره سنة وفاته جميع العباد بالملإ العام بين الأنام . وصدر له في أوّل أمره أحوال غريبة وأطوار عجيبة .
واستقام في داره الكائنة بقرب الجامع الأموي في سوق العنبرانيين « 1 » مدّة سبع سنوات لم يخرج منها ، وأسدل شعره ولم يقلّم أظفاره وبقي في حالة عجيبة ، وصارت تعتريه السوداء في أوقاته ، وصارت الحسّاد تتكلّم فيه بكلام لا يليق به ، من أنّه يترك الصلوات الخمس ويهجو الناس بشعره ، وهو رضي اللّه عنه بريء من ذلك ، وقامت عليه أهالي دمشق ، وصدر منهم في حقّه الأفعال الغير المرضيّة ، حتى إنّه هجاهم وتكلّم بما فعلوه معه « 2 » .
ولم يزل حتى أظهره اللّه للوجود ، وأشرقت به الأيّام ، ورفل في حلل الإقبال والسعود ، وبادرت الناس للتملّي باجتلاء بركاته ، والترجّي لصالح دعواته ، ووردت عليه أفواج الواردين ، وصار كهف الحاضرين والوافدين ، واستجيز من سائر الأقطار والبلاد ، وعمّت نفحاته وعلومه الأنام والعباد .
وارتحل أوّلا إلى دار الخلافة في سنة خمس وسبعين وألف ، فاستقام بها قليلا ، وفي سنة مائة بعد الألف ذهب إلى زيارة البقاع وجبل لبنان ، ثم في سنة إحدى ومائة بعد الألف ذهب إلى زيارة القدس والخليل . ثم في سنة خمس ومائة ذهب إلى مصر ، ومن ثمّة إلى الحجاز وهي
هامش
( 1 ) ما تزال هذه الدار إلى اليوم ، يسكنها آل سيّالة في الصاغة القديمة ، على يمين الخارج من باب الجامع الأموي القبلي .
( 2 ) قال الشيخ النابلسي :أتعبتني بقر الشّام * وهي في نقض وإبرام
حاولوا بالاستهانة أن * يخفضوا مرفوع أعلامي
وأرادوا في تعنّتهم * أن يذلّوا قدري السامي
ويهينوني ويحتقروا * علم تحقيقي وإلهامي
قال خير الخلق سيّدنا * الجفا والبغي في الشاموالقصيدة في 27 بيتا ، انظر : ديوان الحقائق له 2 / 70 - 71 .