وسيجيء ذكره في محله .
وقرأ القرآن ودأب على التحصيل والكتابة والإنشاء ، وحسن الخطوط ، فبرع ومهر وأتقن الخطوط ولازم الديوان العثماني ، وباشر كتابة المناشير والتواقيع السلطانية وولي المناصب الديوانية ، وعلت كلمته وتوفّرت حرمته ، واتّسعت دائرته ونمت ثروته .
ثم بعد توليته المناصب واستخدامه بأمور الدولة صار رئيس الجاويشية ورئيس الكتاب وأمين السقايين السلطانية وأمين الدفتر وطغرائي الدولة ومستوفيها ، الذي هو وكيل بيت المال المعبّر عنه في الاصطلاح العثماني بالدفتري والدفتردار ، وكتخداي الوزير الأعظم .
وتكرر ذلك له واشتهر بين الناس ورجال الدولة بالأمانة والخير والديانة وشدة البأس وعدم المحاباة ، واعتمد عليه في الأمور وتمشيتها ، وصار المستشار في مهام الدولة والمستخدم بمناصبها ، واعتبره الوزراء . واشتهر كما اشتهر أبوه ، ولم يزل في عزه وجاهه بين أقرانه وأشباهه حتى مات .
وكنت لما ارتحلت لدار السلطنة المذكورة قسطنطينية ودخلتها في سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف اجتمعت بالمترجم ، وكان إذ ذاك رئيس الكتاب ، وجرى بيني وبينه محادثة وملاطفة ورأيت منه من التوقير والتعظيم ما لم أره من غيره .
وكانت بينه وبين والدي وجدي حقوق ومودة ذكرها لي عند الاجتماع به . ولما دخلت دار السلطنة ثانيا سنة سبع وتسعين ومائة وألف ، بلغني بعد دخولي إليها خبر ضعفه وتزايد مرضه ، وكنت عزمت عيادته فلم تطل مدته ومات .
وكانت وفاته وأنا بدار السلطنة في ليلة الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى من السنة المرقومة .
وسيأتي ذكر والده مصطفى العاطف في محله . رحمهما اللّه تعالى .
عمر الرجيحي « 1 » - 1130 ه
عمر بن مصطفى الشهير بالرجيحي الدمشقي ، الأديب الأريب الكاتب الماهر البارع .
كان لطيف الذات حسن السمات ، من الظرفاء الكمل المشاهير ، متقن النظم والنثر ، وهو من ذوي البيوت القديمة بدمشق . ولهم أوقاف وشهرة .
ومن شعره قوله :
وافى الربيع فحبّذاك أوان * سرّت به الأرواح والأبدان
وافى الحبيب لدوح روض نوره * ما الدر ما الياقوت ما المرجان
فجرى القراح مبشرا بقدومه * سلكا سعت لنظامه الخلان
هامش
( 1 ) يوميات شامية / 289 .