وإن قعد بأمر قام به ، وإن أمر بشيء ، كان ألزم الناس له ، وإن نهى عن شيء ، كان أكره النّاس له ، ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن ولا باطنا أشبه بظاهر منه .
ولما حضرته الوفاة قال « 1 » : نزل بي الموت ولم أتأهّب له ، ثم قال : اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يسنح لي أمران في أحدهما رضى لك ، وفي الآخر هوى لي ، إلّا اخترت رضاك على هواي ، فاغفر لي . وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائة « 2 » ( وقيل سنة أربع وأربعين وقيل سنة ثمان وأربعين ) وهو راجع إلى مكة بموضع يقال له مرّان « 3 » . ورثاه أبو جعفر المنصور بقوله « 4 » : ( تام الكامل )
صلّى الإله عليك من متوسّد * قبرا مررت به على مرّان
قبرا تضمّن مؤمنا متحنّفا * صدق الإله ودان بالعرفان
لو أنّ هذا الدّهر أبقى صالحا * أبقى لنا عمرا أبا عثمان
ولم يسمع بخليفة رثى من دونه غيره . وإياه عنى الحريريّ بقوله في المقامة الحادية والعشرين « 5 » : « ولقد قمت للّه ولا عمرو بن عبيد » . والله سبحانه وتعالى أعلم .
« 6 » لما حجّ هارون الرّشيد رحمه الله قال للفضل بن الرّبيع « 7 » في بعض الليالي قد حاك « 8 » في صدري شيء لا يخرجه إلّا عالم ، انظر لي رجلا أسأله ،
هامش
( 1 ) الخبر في فضل الاعتزال 248 وأمالي المرتضى 1 / 178 وبهجة المجالس 2 / 372 .
( 2 ) ما بين القوسين ساقط من ج .
( 3 ) مرّان هو موضع على ليلتين من مكة على طريق البصرة . المعارف 483 وأمالي المرتضى 1 / 178 وتاريخ بغداد 12 / 187 ومعجم البلدان 5 / 95 واللسان ( مرن ) .
( 4 ) جاء في ذكر المعتزلة 69 أنّ هذه الأبيات ليست لأبي جعفر المنصور وإنما أنشدها فقط وهي في المعارف 483 وعيون الأخبار 1 / 209 وذكر المعتزلة 68 وفضل الاعتزال 249 وأمالي المرتضى 1 / 178 وتاريخ بغداد 12 / 187 ومعجم البلدان 5 / 95 والوفيات 3 / 462 واللسان ( مرن ) وميزان الاعتدال 3 / 279 .
( 5 ) شرح المقامات 1 / 252 .
( 6 ) من سراج الملوك 25 - 26 بتصرف إلى آخر الخبر وهو في حلية الأولياء 8 / 105 - 108 والتبر المسبوك 19 - 20 وصفة الصفوة 2 / 242 - 246 وحياة الحيوان 1 / 223 - 225 والمستطرف 1 / 79 - 80 .
( 7 ) سبق التعريف به في الصفحة 172 الحاشية 7 .
( 8 ) حاك الشيء في صدري يحيك وحكّ يحكّ فيه أي رسخ ، والحائك الراسخ في قلبك الذي يهمّك . ( اللسان : حوك ) .