وكان - رضي اللّه عنه - ينظر في القلوب كما ينظر في المرآة ، وأشار إلى أن الوقوف مع الأخيار علة . وقال لي مرة : انظر ، وهل قلت لأحد رأيت شيئا ؟ أي وذلك لكثرة إخلاصه وعدم رؤيته لغيره ، ما رأى شيئا يذكره ، ولا استحسن إلا اللّه فهو معه ؛ قال تعالى : / ( أنا جليس من ذكرني ) « 1 » .
وكان - رضي اللّه عنه - يقول : القطب « 2 » أفضل الناس بالصفات المحمودة ، ليس بالكبر ولا بالنفس ، لأن الكبر معصية . وقال صاحبه المذكور : وسمعته مرارا إذا جلسنا عنده يقول في ذكره : لا لا لا إلا اللّه لا لا لا إلا اللّه ، فلم ير - رضي اللّه عنه - ما ينفي ، ولم يشاهد " إلا اللّه " ، فأثبته من أول مرة ، لأن العلماء - رضي اللّه عنهم - يقولون : " لا إله " نفي كل معبود بالباطل ، " إلا اللّه " إثبات المعبود بالحق وهو اللّه عزّ وجل ، وسيدي ومولاي الغازي - رضي اللّه عنه - لم ير سوى اللّه حتى ينفيه .
وقال رضي اللّه عنه : " إلا اللّه " في أول وهلة وهو الإفراد ، ففي الخبر أن للّه تعالى ألف اسم : ثلاثمائة في " التوراة " ، وثلاثمائة في " الإنجيل " ، وثلاثمائة في " الزبور " ، وتسعة وتسعين في " الفرقان " ، وواحدا في صحف إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ؛ فالتسعمائة كلها داخلة في التسعة والتسعين ، والتسعة والتسعون داخلة في اسمه تعالى .
قال : وكان - رضي اللّه عنه - يعظنا ويحذّرنا من الشرك الظاهر والخفي ، يعني كما يقول المفسرون في قوله تعالى :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
« 3 » ، معناه : من الناس من صنمه أولاده ، ومن الناس من صنمه ماله ، ومنهم من صنمه زوجته ، ومنهم من صنمه ضيعته ، أي أجنته وبساتينه ، ومنهم من صنمه حاله .
وكان - رضي اللّه عنه - يقول : أشد المصائب الغفلة ؛ قال تعالى :
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
« 4 » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا ظلمة أشد من عمى القلب » « 5 » .
وكان - رضي اللّه عنه - يحذر من الدنيا ويقول : حب الدنيا رأس كل خطيئة ؛ قال صلّى اللّه عليه وسلم كما في الحديث : « وإنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه وما والاه ،
هامش
( 1 ) حديث قدسي أورده العجلوني في كشف الخفاء : 1 / 201 ، ورواه الديلمي بلا سند عن عائشة .
( 2 ) هو الغوث أو الإنسان المثالي الذي هو موضع نظر اللّه في كل زمان ، أي أعلى مراتب الصوفية .
( انظر التعريفات للجرجاني : 94 ) .
( 3 ) إبراهيم : 35 .
( 4 ) الأعراف : 205 .
( 5 ) لم أقف عليه في الفهارس التي رجعنا إليها .