أراع كذا كل الأنام همام * وسح له رسل الملوك غمام
ولو لم يتكلم في الشعر إلا من هو من أهله لما سمع مثل هذا قال ومن
مبادئه التي تجمع استكراه الألفاظ وسقوط المعنى قوله :
وما مطرتنيه من البيض والقنا * وروم العبدي هاطلات غمامه
قال ومن اسرافه الذي لا يصبر عنه قوله :
يا من يقتل من أراد بسيفه * أصبحت من قتلاك بالاحسان
فإنه أخذ قول الشاعر : أصلحتني بالجواد بل أفسدتني فجعل
الافساد قتلا عجرفة وتهورا . هذا ومذهب الشعراء المدح بالأحياء عند
العطاء وبالإماتة عند منع الحباء ولهذا استحسن قول الشاعر :
شتان بين محمد ومحمد * حي أمات وميت أحياني
فصحبت حيا في عطايا ميت * وبقيت مشتملا على الخسران
ومن هؤلاء العوام الذين يتهالكون فيه من هذا عنده أبدع من قول
البحتري :
أخجلتني بندى يديك فسودت * ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالجود حتى أنني * متخوف أن لا يكون لقاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعة * عجبا لبر راح وهو جفاء
قال ومن وسائط مقته قوله يحكى جور السلاف ويستأذن في
الانصراف :
نال الذي نلت منه مني * لله ما تصنع الخمور
وذا انصرافي إلى محلي * فاذن أيها الأمير
قال وكنت أقرأ كتب الألفاظ فلم أر أجمع من قوله :
الحازم اليقظ الأغر العالم * الفطن الألد الأريحي الأروعا
الكاتب اللبق الخطيب الواهب * الندس اللبيب الهبزري المصقعا
قال ومن اضطرابه في ألفاظه مع فساد أغراضه قوله :
قد خلف العباس غرتك ابنه * مرأى لنا وإلى القيامة مسمعا
قال وللشعراء فن في اشتقاق أسماء الممدوحين كقول علي بن
العباس :
كان أباه حين سماه صاعدا * رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد
ففتل المتنبي في حبل اختنق به وقال :
في رتبة حجب الورى عن نيلها * وعلا فسموه علي الحاجبا
محاسن شعر المتنبي
حسن المطلع
كقوله :
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا * فإنك كنت الشرق للشمس والغربا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة * لمن بان عنه أن نلم به ركبا
وقوله :
الرأي قبل شجاعة الشجعان * هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرة * بلغت من العلياء كل مكان
وقوله :
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل * والطعن عند محبيهن كالقبل
وقوله :
اليوم عهدكم فأين الموعد * هيهات ليس ليوم موعدكم غد
الموت أقرب مخلبا من بينكم * والعيش أبعد منكم لا تبعدوا
وقوله :
المجد عوفي إذ عوفيت والكرم * وزال عنك إلى أعدائك الألم
حسن التخلص
كقوله :
مرت بنا بين تربيها فقلت لها * من أين جانس هذا الشادن العربا
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى * ليث الشري وهو من عجل إذا انتسبا
وقوله :
وغيث ظننا تحته ان عامرا * علا لم يمت أو في السحاب له قبر
وقوله :
وإلا فخانتني القوافي وعاقني * عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
إذا صلت لم اترك مصالا لصائل * وإن قلت لم أترك مقالا لعالم
وقوله :
نودعهم والبين فينا كأنه * قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
وقوله :
ومقانب بمقانب غادرتها * أقوات وحش كن من أقواتها
أقبلتها غرر الجياد كأنما * أيدي بني عمران في جبهاتها
وقوله :
حدق يذم من القواتل غيرها * بدر بن عمار بن إسماعيلا
وقوله :
ولو كنت في أسر غير الهوى * ضمنت ضمان أبي وائل
فدى نفسه بضمان النضار * وأعطى صدور القنا الذابل
وقوله :
خليلي ما لي لا أرى غير شاعر * فكم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبا أن السيوف كثيرة * ولكن سيف الدولة اليوم واحد
النسيب بالإعرابيات
كقوله :
من الجاذر في زي الأعاريب * حمر الحلى والمطايا والجلابيب
ومر أكثرها . قال الثعالبي وله طريقة ظريفة في وصف البدويات قد
تفرد بحسنها وأجاد ما شاء فيها فمنها قوله :
هام الفؤاد باعرابية سكنت * بيتا من القلب لم تضرب به طنبا
مظلومة القد في تشبيهها غصنا * مظلومة الريق في تشبيهه ضربا
وقوله :
ان الذين أقمت واحتملوا * أيامهم لديارهم دول
الحسن يرحل كلما رحلوا * معهم وينزل حيثما نزلوا
في مقلتي رشا تديرهما * بدوية فتنت بها الحلل
تشكو المطاعم طول هجرتها * وصدودها ومن الذي تصل
أعيان الشيعة — صفحة 553
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٥٥٣