أنه في سنة 168 ولى المأمون كل ما كان طاهر بن الحسين افتتحه من كور
الجبال وفارس والأهواز والبصرة والكوفة والحجاز واليمن الحسن بن سهل
وكتب إلى طاهر وهو مقيم ببغداد بتسليم ذلك إلى خلفاء الحسن بن سهل
وأن يشخص إلى الرقة وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب . وطاهر بن
الحسين الخزاعي هذا هو الذي فتح بغداد وقتل الأمين . وفي سنة 199
قدم الحسن بن سهل بغداد من عند المأمون واليه الحرب والخراج وفرق
عماله في الكور والبلدان وكان هرثمة بن أعين من قواد بني العباس في
العراق حين ورد الحسن بن سهل إليها فسلم إلى الحسن ما كان بيده من
الأعمال وتوجه نحو خراسان مغاضبا للحسن حتى بلغ حلوان وخرج
بالكوفة أبو السرايا فاستفحل امره فلم يلق عسكرا الا هزمه فأرسل الحسن
إلى هرثمة ليرجع ويحارب أبا السرايا فأبى فلم يزل الحسن يتلطف به حتى
قبل وهزم أبو السرايا وقتل فلما فرع هرثمة من أمر أبي السرايا خرج حتى
اتى خراسان وقد اتته كتب المأمون أن يرجع إلى الشام أو الحجاز فأبى وقال
لا ارجع حتى آتي أمير المؤمنين إدلالا منه عليه لما كان يعرف من نصيحته له
ولآبائه وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل وما يكتم عنه من
الأخبار ولا يدعه حتى يرده إلى بغداد فعلم الفضل ما يريد فافسد قلب
المأمون عليه وقال إنه دس أبا السرايا وهو جندي من جنده حتى عمل ما
عمل ولو شاء هرثمة أن لا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعله وقد كتب إليه أمير
المؤمنين عدة كتب أن يرجع فأبى مشاقا فلما دخل على المأمون عنفه فذهب
ليعتذر فلم يقبل ذلك منه ووجئ انفه وديس بطنه وحبس ثم دسوا إليه
فقتلوا وقالوا للمأمون أنه مات وذلك سنة 200 وكان الحسن بن سهل
بالمدائن حين شخص هرثمة إلى خراسان والوالي على بغداد من قبله علي بن
هشام فلما اتصل باهل بغداد ما صنع بهرثمة طردوا علي بن هشام من بغداد
وهرب الحسن بن سهل إلى واسط وذلك في أوائل سنة 201 وكان عيسى بن
محمد بن أبي خالد بن الهندوان عند طاهر بن الحسين بالرقة فقدم بغداد
واجتمع هو وأبوه على قتال الحسن بن سهل باهل بغداد فجرح أبوه في
بعض الوقائع فمات ثم رأى الحسن بن سهل انه لا طاقة له بعيسى فصالحه
وبايع المأمون الرضا بولاية العهد في هذه السنة فورد على عيسى بن محمد بن
أبي خالد كتاب من الحسن بن سهل يعلمه فيه بان المأمون بايع للرضا بولاية
العهد وامر بطرح لبس الثياب السود ولبس ثياب الخضرة ويأمره أن يأمر من
قبله من أصحابه والجند والقواد وبني هاشم بالبيعة له وأن يأخذهم بلبس
الخضرة في أقبيتهم وقلانسهم واعلامهم ويأخذ أهل بغداد بذلك جميعا فقال
بعضهم نبايع ونلبس الخضرة وقال بعض لا نبايع ولا نلبس الخضرة ولا
نخرج هذا الأمر من ولد العباس وإنما هذا دسيس من الفضل بن سهل
وغضب ولد العباس من ذلك واجتمع بعضهم إلى بعض وقالوا نولي بعضنا
ونخلع المأمون فبايعوا إبراهيم بن المهدي وخلعوا المأمون وذلك يوم الثلاثاء
لخمس بقين من ذي الحجة سنة 201 وذكر أبو علي الحسين في العيون أن
المأمون لما بايع الرضا بولاية العهد وبلغ ذلك العباسيين ببغداد ساءهم
فأخرجوا إبراهيم بن المهدي عم المأمون المعروف بابن شكلة وبايعوه
بالخلافة وخلعوا المأمون وكان إبراهيم مغنيا مشهورا مولعا بضرب العود
منهمكا بالشراب وفيه يقول أبو فراس الحمداني :
منكم علية أم منهم وكان لكم شيخ المغنين إبراهيم أم لهم
ويقول دعبل الخزاعي :
يا معشر الأجناد لا تقنطوا خذوا عطاياكم ولا تسخطوا
فسوف يعطيكم حنينية يلذها الأمرد والأشمط
والمعبديات لقوادكم لا تدخل الكيس ولا تربط
وهكذا يرزق أصحابه خليفة مصحفه البربط
وقال دعبل أيضا :
إن كان إبراهيم مضطلعا بها فلتصلحن من بعده لمخارق
مخارق من المغنين المشهورين وكتب المأمون إلى الحسن بن سهل
بمحاصرة بغداد ووقعت الحرب بين أصحاب إبراهيم وأصحاب الحسن بن
سهل واختل الأمر في عراق العرب والمأمون لا يعلم بذلك كان الفضل
يخفي عنه الاخبار ولا يخبره أحد خوفا من الفضل فأخبره الرضا بذلك
وأشار عليه بالرحيل إلى بغداد . قال الطبري ذكر ان علي بن موسى بن
جعفر بن محمد العلوي أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل
اخوه وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الاخبار وان أهل بيته والناس
قد نقموا عليه أشياء وانهم بايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي بالخلافة فقال
المأمون انهم لم يبايعوا له بالخلافة وانما صيروه أميرا يقوم بأمرهم على ما أخبر
به الفضل فاعلمه ان الفضل قد كذبه وغشه وان الحرب قائمة بين إبراهيم
والحسن بن سهل وان الناس ينقمون عليه مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان
بيعتك لي من بعدك فقال ومن يعلم هذا فسمى له أناسا من وجوه أهل
العسكر فسألهم فأبوا ان يخبروه حتى يكتب لهم أمانا بخطه ألا يعرض لهم
الفضل فأخبروه بما فيه الناس من الفتن وبغضب أهل بيته ومواليه وقواده
وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة وان هرثمة انما جاء لينصحه وان الفضل
دس إليه من قتله وانه ان لم يتدارك امره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته
وان طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى حتى إذا وطئ الأمر اخرج
من ذلك كله وصير في زاوية من الأرض بالرقة وان الدنيا قد تفتقت من
أقطارها وسألوه الخروج إلى بغداد فلما تحقق ذلك عنده أمر بالرحيل إلى
بغداد فلما علم الفضل بن سهل ببعض ذلك تعنتهم حتى ضرب بعضهم
بالسياط وحبس بعضا ونتف لحى بعض فعاوده علي بن موسى في امرهم
واعلمه ما كان من ضمانه لهم فاعلمه انه يداوي ما هو فيه . وقال سبط
ابن الجوزي في تذكرة الخواص : قال علماء السير فلما فعل المأمون ذلك
شغبت بنو العباس ببغداد عليه وخلعوه من الخلافة وولوا إبراهيم بن المهدي
والمأمون بمرو وتفرقت قلوب شيعة بني العباس عنه فقال له علي بن موسى
الرضا ع : يا أمير المؤمنين النصح لك واجب والغش لا يحل
لمؤمن ان العامة تكره ما فعلت معي والخاصة تكره الفضل بن سهل فالرأي
ان تنحينا عنك حتى يستقيم لك الخاصة والعامة فيستقيم امرك .
وروى الصدوق في العيون بسنده عن ياسر الخادم قال : بينما نحن
عند الرضا ع يوما إذ سمعنا وقع القفل الذي كان على باب المأمون إلى
دار أبي الحسن ع فقال لنا أبو الحسن قوموا تفرقوا عنه فجاء المأمون ومعه
كتاب طويل فأراد الرضا ع ان يقوم فاقتسم عليه المأمون بحق المصطفى
ان لا يقوم إليه ثم جاء حتى انكب على أبي الحسن وقبل وجهه وقعد بين
يديه على وسادة فقرأ ذلك الكتاب عليه فإذا هو فتح لبعض قرى كابل فيه
إنا فتحنا قرية كذا وكذا فلما فرع قال له الرضا ع : وسرك فتح قرية من
قرى الشرك ؟ فقال له المأمون : أوليس في ذلك سرور ؟ فقال يا أمير
المؤمنين اتى الله في أمة محمد وما ولاك الله في هذا الأمر وخصك فإنك قد
ضيعت أمور المسلمين وفوضت ذلك إلى غيرك يحكم فيها بغير حكم الله عز
وجل وقعدت في هذه البلاد وتركت بيت الهجرة ومهبط الوحي وان
المهاجرين والأنصار يظلمون دونك ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ويأتي
على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته فلا يجد من يشكو إليه
حاله ولا يصل إليك فاتق الله يا أمير المؤمنين في أمور المسلمين وارجع إلى بيت
النبوة ومعدن المهاجرين والأنصار ، أما علمت يا أمير المؤمنين ان والي
أعيان الشيعة — صفحة 24
مساهمون: السيد محسن الأمين
ص٢٤