مجرى مروان بن أبي حفصة إلا أنه لم يصرّح تصريحه ، وكان من خوّاص البرامكة ، وهم أوصلوه إلى الرشيد ، فصادف يوم دخوله إليه نوبة مروان « 1 » ، وكان مروان يقول قبل دخوله : هذا شامي وأنا يماني حجازي نجدي ، أفتراه يكون أشعر منّي ؟ ودخله من ذلك غمّ وحسد ، واستنشد الرشيد منصورا فأنشده [ من الوافر ] :
أمير المؤمنين ، إليك خضنا * غمار الموت من بلد شطير « 2 »
بخوص كالأهلّة خافقات * تلين على السّرى وعلى الهجير « 3 »
حملن إليك أحمالا ثقالا * ومثل السحر والدرّ النثير « 4 »
فقد وقفوا المديح بمنتهاه * وغايته وصار إلى المصير
إلى من لا تشير إلى سواه * إذا ذكر النّدى كفّ المشير
ومنها :
يد لك من رقاب بني عليّ * ومنّ ليس بالمنّ الصغير
مننت على ابن عبد اللّه يحيى * وكان من الهلاك على شفير « 5 »
فإن شكروا فقد أنعمت فيهم * وإلّا فالنّدامة للكفور
وإن قالوا بنو بنت فحقّ * ولكن ما المناسب بالذّكور
وما لبني بنات من تراث * من الأعمام في ورق الزّبور
قال مروان : وددت أنه أخذ جائزتي وسكت وأمر الرشيد مروان بالإنشاد فأنشد [ من الكامل ] :
خلّوا الطريق لمعشر عاداتهم * حطم المناكب كل يوم زحام
هامش
( 1 ) يوم نوبة مروان : أي دوره في إلقاء الشعر . وهو أبو الهندام وقيل أبو السّمط مروان بن أبي حفصة ، الشاعر المشهور . وهو من أهل اليمامة ، قدم بغداد ومدح المهدي وهارون الرشيد . وكان يتقرب إلى الرشيد بهجاء العلويين . توفي ببغداد سنة 181 ه ، وقيل سنة 182 ه . ترجمته في :
تاريخ بغداد 13 / 142 - 145 والشعر والشعراء 2 / 649 ، ومعجم الشعراء 396 - 397 ، ووفيات الأعيان 5 / 189 - 193 .
( 2 ) الشطير : البعيد .
( 3 ) الخوص : ج خوصاء وهي الناقة لما في عينها من غؤور وصغر .
( 4 ) أراد شعرا جزلا هو الغاية في النفاسة .
( 5 ) شفير كل شيء : حرفه .