يصيب وما يدري ويخطي وما درى * وكيف يكون النّوك إلّا كذالكا « 1 »
وهو لأبي الأسود الدؤلي من أبيات يهجو بها جد القاضي الحصين بن أبي الحرّ العبدري « 2 » ، فقال الرجل : إن رأى القاضي إن يدنيني منه حتى أقول شيئا فعل ، فقال : أدن فدنا ، وقال : إن أحقّ من يستر هذا الشعر لأنت ، وقد علمت فيمن قيل ، فتبسم القاضي وقال : إن فيك مصطنعا وغرم عنه ما كان يطالب به .
قال : وكان أبو الأسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة وكانت برزة « 3 » جميلة ، فقالت له : يا أبا الأسود هل لك أن أتزوجك فإني صناع « 4 » الكف ، حسنة التدبير ، قانعة باليسير ، قال : نعم ، فجمعت أهلها وتزوجته ، فوجد عندها خلاف ما قدّر ، وأسرعت في ماله ، ومدّت يدها إلى خيانته ، فغدا على من كان حضر تزويجها من أهلها ، فسألهم أن يجتمعوا عنده ففعلوا ، فقال :
أريت امرءا كنت خاللته * أتاني فقال اتّخذني خليلا « 5 »
فخاللته ثم أكرمته * فلم أستفد من لدنه فتيلا
وألفيته حين جرّبته * كذوب الحديث سروقا بخيلا
فذكّرته ثم عاتبته * عتابا رقيقا وقولا جميلا
فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر اللّه إلا قليلا « 6 »
ألست حقيقا بتوديعه * واتباع ذلك صرما طويلا ؟
فقالوا : بلى واللّه يا أبا الأسود ! قال : تلك صاحبتكم ، وقد طلقتها لكم ، وأنا أحبّ أن أستر ما أنكرت من أمرها ، فانصرفت معهم « 7 » .
وسأله رجل شيئا فمنعه ، فقال له : يا أبا الأسود واللّه ما أصبحت حاتميا
هامش
( 1 ) الأغاني 12 / 375 - 376 ، معجم الشعراء 317 وفيه « إنها لفرات بن حيان ، وقيل لأبي سفيان بن الحارث » ديوانه 47 .
( 2 ) في الأغاني : « العنبريّ » .
( 3 ) امرأة برزة : متجالّة تبرز للقوم يجلسون إليها ويتحدثون عنها ، والبرزة من النساء أيضا : الجليلة الموثوق برأيها وعفافها ( لسان العرب مادة برز ) .
( 4 ) امرأة صناع اليدين : حاذقة ماهرة بعمل اليدين .
( 5 ) أريت : أصله أرأيت ، يقولون : أرأيتك بمعنى أخبرني .
( 6 ) استعتبه : استرضاه ، وطلب منه العتبى . أعطاه العتبى أي أرضاه .
( 7 ) الأغاني 12 / 360 - 361 ، ديوانه 122 - 123 .