Skip to main content

الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية ( ويليه العقد المنظوم في ذكر أفاضي الروم ) — Page 344

Contributors:

P.344
فبعد مدة ورد عليه كتاب من قاسم باشا باني المدرسة المار ذكرها باني قد بنيت تلك المدرسة لأجلك وشرطت درسها لك ما دمت حيا فإن لم تقبلها لاهدمنها من أساسها فاضطر المرحوم إلى قبولها فأعطيت له ثانيا بخمسين فلما مضى عليه برهة من الزمان ابتلي بتعليم مصطفى خان بن السلطان سليمان خان فلما وصل اليه حل محلا رفيعا ومسندا منيعا وعلت كلمته وارتفعت مرتبته وكان لا يقطع أمرا الا بمشورته ولا يفعل شيئا الا بمباشرته ومعرفته وبقي في أوفر جيش وأرغد عيش حتى غضب أبوه وقصد دماره ثم قتله ومحا آثاره فلما قتل بحربة العذاب وتقطعت به الأسباب وقتل بعضهم السلطان وقهر فلا جرم تفرقوا من سطوته شذر مذر فلما رأى المرحوم من بدره افوله ساق إلى دار الخمول حموله وتوجه ثانيا إلى الانقطاع من الناس خوفا من حلول الباس فاستولى عليه من الفقر والفاقة ما لا يحتمله طاقة وكان يكتب في بعض ازمانه ويقتات باثمانه وما أصدق من قال حيث ابان عن هذه الأحوال :
وإني رأيت الدهر منذ صحبته * محاسنه مقرونة بمعايبه إذا سرّني أوّل الأمر لم أزل * على حذر من غمّه في عواقبه
ومع ذلك لم يظهر العجز والأسف وسار سيرة السلف وستر الحزن والكآبة وعمر مسجده وفتح بابه وأظهر الاهتمام في أداء وظائف الخدام حتى حكم فرقة من الناس بان هذه الحالات ليست الا محض الكرامات وقصد اليه بالنذور والقرابين أرباب السفن وطائفة الملاحين وكان رحمه اللّه قد حفر قبره وتهيأ لمنونه وانتظره وادخر ألفي درهم للتجهيز والتكفين وأدى زكاته مدة عشر سنين ومات رحمه اللّه من مرض الهيضة سنة تسع وستين وتسعمائة وقبره رحمه اللّه تعالى عند مسجده في قصبة قاسم باشا يسر اللّه في عقباه ماشا وحزن الناس بموته وتبركوا بتربته وقد ذهب عمره بالتجرد والانفراد ولم يمل إلى التوليد والاستيلاد وكان رحمه اللّه بهي المنظر لطيف المخبر حلو المحاضرة حسن المحاورة موصوفا بالعفة والصلاح