المسجد رعاء ، فسلموا على الشيخ ، ولم يزالوا يأتونه ، وعلم به الناس ، فوصلوه ، وأكثروا زيارته ، وبنوا له المسجد والرباط ، واجتمع عنده جمع كثير أقاموا الجمعة والجماعة ، ولازموا الطريق الشرعية ، وصحبه جمع كثير ، وتحكموا على يده ، فرباهم التربية الشرعية المحققة ؛ من الصيام والقيام والزهد والورع ، فلما أقبل الناس على الشيخ بالفتوح . . كان يقبله قبول فازع منه ، لا يكاد يبيت بيده شيء منه .
كان لا يميز نفسه على أصحابه ، ولا حرمته على حريمهم ، وإذا وصل إليه فتوح . .
وصل إلى الصغير كما يصل إلى الكبير ، حتى إن بعضهم قدّم إليه قليل زبيب لا يكفي الجماعة ، فنقعه حتى انحل ماؤه ، وشرب كل منهم نصيبه .
ويحكى أن نقيب الفقراء استعمل عدة مصاون لنساء الفقراء « 1 » ، وجعل في واحد منها خيط حرير ، فلما رآها الشيخ . . قال : لم عملت لهذا علما دون غيره ؟ فقال : جعلته باسم أم الفقراء - يعني زوجة الشيخ - فقطع الشيخ منه الحرير حتى صار دونهن قيمة ، وأعطاه زوجته .
وبالجملة : فمناقبه كثيرة .
ولم يزل على أحسن سيرة وسريرة إلى أن توفي في جمادى الآخرة من سنة ثمان وستين وست مائة ، ودفن في طرف الرباط ، وقام بعده بالرباط الشيخ سليمان بن يحيى ، من مشايخ ذي السّفال ، وممن صحب الشيخ المذكور .
ورئي الشيخ بعد موته ، فقيل له : من استخلفت على أصحابك وموضعك ؟ فقال :
الخضر ، فلما احتضر الشيخ سليمان . . استخلف صالحا ولد الشيخ علي المذكور صاحب المقداحة على الرباط ، فأقام الشيخ صالح مدة ، ثم توفي ، وبقي الرباط فارغا عن قائم ، فكتب أصحاب الشيخ علي إلى محمد ولد الشيخ صاحب المقداحة الآتي ذكره في أول المائة التي بعد هذه ) « 2 » .
3179 - [ قاضي حماة ابن البارزي ] « 3 »
إبراهيم بن المسلم بن هبة اللّه الشافعي الحموي ، الإمام قاضي حماة .
هامش
( 1 ) المصون - بكسر الميم وسكون الصاد وفتح الواو - : الخمار .
( 2 ) « السلوك » ( 2 / 215 ) ، وانظر ترجمة محمد ولد صاحب الترجمة ( 6 / 63 ) .
( 3 ) « ذيل مرآة الزمان » ( 2 / 457 ) ، و « تاريخ الإسلام » ( 49 / 276 ) ، و « العبر » ( 5 / 291 ) ، و « الوافي بالوفيات » ( 6 / 146 ) ، و « مرآة الجنان » ( 4 / 170 ) ، و « المنهل الصافي » ( 1 / 176 ) ، و « شذرات الذهب » ( 7 / 572 ) .