تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
وكان من أكمل الرجال رأيا وأرجحهم عقلا ، وهو أول من وضع النحو ، قيل : السبب أن إحدى بناته قالت له : يا أبت ؛ ما أحسن السماء ! برفع ( أحسن ) وجر ( السماء ) ، فقال : يا بنية ؛ نجومها ، قالت : إني لم أرد : أي شيء فيها أحسن ، إنما تعجبت من حسنها ، فقال : إذن قولي : ما أحسن السماء ! ووضع حينئذ نبذة في النحو ، فقيل له : من أين لك هذا العلم ؟ فقال : تلقيت حدوده من علي بن أبي طالب . وقيل : إنه سمع قارئا يقرأ : ( أن اللّه بريء من المشركين ورسوله ) فجر ( رسوله ) فقال : ما ظننت أن أمر الناس يؤول إلى هذا ! فأتى إلى زياد واستأذنه في شكل المصحف بعد أن كان طلب منه زياد فامتنع ، فيقال : إن زيادا دس عليه من سمّعه ذلك اللحن ليفعل ، وهو أول من شكل المصحف ونقطه . وكان له دار فباعها ، فقيل له : بعت دارك ؟ ! فقال : بل بعت جاري ، فأرسلها مثلا لمن باع الدار هربا من الجار . قلت : ونظم هذا المعنى بعض الشعراء الفصحاء ، وللّه دره حيث يقول : [ من الطويل ]
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي * على أنّ لي جارا هناك ينغّص فقلت لهم لا تعذلوني فإنما * بجيرانها تغلو الديار وترخص
واللّه أعلم . دخل يوما على عبيد اللّه بن أبي بكرة الثقفي - وقيل : على المنذر بن الجارود - وعلى أبي الأسود جبة رثة كان يكره لبسها ، فقال له : يا أبا الأسود ؛ أما تمل لبس هذه الجبة ؟ ! فقال : ربّ مملوك لا تستطيع فراقه ، فلما خرج من عنده . . سير إليه مائة ثوب ، فكان أبو الأسود ينشد ذلك : [ من الطويل ]
كساني ولم أستكسه فحمدته * أخ لك يعطيك الجزيل وناصر وإنّ أحقّ الناس إن كنت شاكرا * بشكرك من أعطاك والعرض وافر
قلت : يروى : ( مملول ) باللام ، و ( مملوك ) بالكاف « 1 » ، وذكر ذلك ابن خلكان في « تاريخه » ، واللّه أعلم « 2 » ، ويروى : ( ناصر ) بالنون من النصرة ، و ( ياصر ) بالمثناة آخر الحروف من التعطف والحنو .
هامش
( 1 ) أي : في قول أبي الأسود : ( رب مملوك لا تستطيع فراقه ) . ( 2 ) « وفيات الأعيان » ( 2 / 538 ) .
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 508 | ابن أبي مخرمة / بوجمعه عبدالقادر