ذكر الأحداث لاستقبال سنة إحدى وأربعين إلى آخر أيام سنة طبقة العشرين الثالثة من المائة الأولى من الهجرة
السنة الحادية والأربعون
في ربيع الآخر منها : سار أمير المؤمنين الحسن بن علي - وكان قد بويع له عند وفاة أبيه - في جيوشه ، وسار معاوية في جيوشه قاصدا كلّ منهما قتال صاحبه ، فالتقوا بناحية الأنبار ، فقال عمرو بن العاصي : إني لأرى كتائب لا تقتل حتى تقتل أقرانها ، فقال معاوية - وكان واللّه خير الرجلين - : أي عمرو ؛ إن قتل هؤلاء هؤلاء ، وهؤلاء هؤلاء . . من لي بأمور المسلمين ؟ من لي بصبيانهم ؟ من لي بضعيفهم ؟ فبعث معاوية رجلين من قريش من بني عبد شمس ، وهما : عبد الرحمن بن سمرة ، وعبد اللّه بن عامر ، فقال : اذهبا إلى هذا الرجل ، فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه ، فأتيا الحسن رضي اللّه عنه فكلماه ، فقال لهما الحسن بن علي : إنا بنو المطلب قد أصبنا من هذا المال ، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها ، قالا له : نعرض عليك كذا وكذا ، ونطلب إليك ونسألك ، قال : فمن لي بهذا ؟
قالا : نحن لك به ، فما سألهما شيئا إلا قالا : نحن لك به ، فوفق اللّه تعالى الصلح بينهما لحقن الدماء ولتحقيق ما أشار إليه صلّى اللّه عليه وسلم من قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن ابني هذا - يعني : الحسن - سيد ، وسيصلح اللّه به بين فئتين عظيمتين » « 1 » ، فخلع الحسن نفسه ، وسلم الأمر لمعاوية ، وبرز الحسن بين الصفين وقال : إني قد اخترت ما عند اللّه ، وتركت هذا الأمر لك ؛ فإن كان لي . . فقد تركته ، وإن كان لك . . فما ينبغي أن أنازعكه ، فكبر الناس واختلطوا تلك الساعة ، وسميت السنة بسنة الجماعة ، فقيل له : يا مذل المؤمنين ، فقال : لا بل أنا معز المؤمنين ، هذا أصح وأحسن ما قيل في سبب الصلح بينهما .
وفي بعض التواريخ : أن أهل العراق بايعوا الحسن ، وسار بهم نحو الشام ، وجعل مقدمتهم قيس بن سعد بن عبادة ، وأقبل معاوية بجيشه حتى نزل منبج ، فبينما الحسن
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه في ترجمة الحسن بن علي رضي اللّه عنهما ( 1 / 354 ) .