قد أفسده علىّ ، تورّع عن أخذ حقه من الأجرة خشية أن يكون ابنه أنفق على الدّار مما يصل إليه من الخليفة ، وأحواله في الورع أشهر من أن تذكر . وكان إذا نظر إلى نصرانىّ غمّض عينيه فقيل له في ذلك ، فقال : لا أقدر أنظر إلى من افترى على اللّه وكذب عليه .
وأمّا قوله : « إمام في السّنة » ، فلا يختلف العلماء الأوائل والأواخر ، أنّه في السّنة الإمام الفاخر ، والبحر الزاخر ، أوذى في اللّه فصبر ، ولكتابه نصر ، ولسنّة رسوله انتصر ، أبان حقّا ، وقال صدقا ، وزان نطقا وسبقا ، ظهر على العلماء ، وقهر العظماء ، ففي الصادقين ما أوجهه ، وبالسّابقين ما أشبهه ، وعن الدنيا وأسبابها ما كان أنزهه ، جزاه اللّه خيرا عن الإسلام والمسلمين . فهو للسّنة كما قال اللّه تعالى في كتابه المبين :
وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
« 1 » .
قال علىّ بن المدينىّ : أيّد اللّه هذا الدّين برجلين لا ثالث لهما .
أبو بكر الصديق يوم الرّدة ، وأحمد بن حنبل يوم المحنة .
وقال المززىّ : أبو بكر الصّديق يوم الردة ، وعمر يوم السّقيفة ، وعثمان يوم الدّار ، وعلى يوم صفين ، وأحمد بن حنبل يوم المحنة ، وكانت محنته في زمن الخليفة المعتصم في شهر رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين ، وقيل : سنة تسع عشرة ، ومكث في السجن ثمانية وعشرين شهرا ثم أخرج .
وقد ذكرت خبر محنته وما وقع له من الأمور المحصولة ؟ مع المعتصم وغيره من الخلفاء ، وعدم موافقته على القول بخلق القرآن وثباته في الدّين ونصرته لكتاب اللّه ، والذب عن سنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم في « الطبقات الكبرى » « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الصف : الآية 13 .
( 2 ) المنهج الأحمد : 1 / 81 - 92 .