المنّة وكفر النعمة ، أنا أزعم أنّ الشرّ الذي في بني آدم متفرقا مجتمع فيه ، فشكري إياك شكر من قضي له مثل هذه الحاجة على هذه الشريطة ، وقد قال الشاعر :
لم ألق في الحبس محبوسا أسائله * ما بال حبسك إلا قال مظلوم
قال : وحدثني أبو بكر بن الخياط إملاء ، قال : وكتب أبو العباس المبرّد إلى عبيد الله بن سليمان حين أطلق من الحبس حبس الموفق : أوزعك الله للجليل شكر نعمته عندك ، وألهمك حمده على لطف صنيعه بك ، وأوجب لك المزيد من عطاياه ، والسّنيّ من قسمه بمنّه ورحمته ، أنت أعزّك الله تعلم أنّ الدنيا دار التواء لا دار استواء ، إنّ نعيمها مخلوط ببؤس ، وصفوها مشوب بكدر ، ومن لم يبل فيها بنكبة ، لم يعرف حقيقة مقدار العافية ، وإنّ ذلك كذلك ، وإني آمل أملا لا يكدي ، وأرجو رجاء لا يخيب أن يكون جميع مكروههما قد انصرم عنك ، وأن تحوي عن قليل أكثر أمرها ، فإني أقول لك كما قال عمّك لأبيك :
فإنّ أمور الملك أضحى مدارها * عليك كما دارت على قطبها الرحا
وكما قال الآخر :
بأيمن طائر وأيسر فأل * وأعلى رتبة وأجلّ حال
دخلت الحبس ثم خرجت منه * خروج المشرفيّ من الصقال
فكشف عنك ما عانيت منه * كما انكشف الغمار عن الهلال
لطول سلامة ولطول عمر * لقيت به الطوال من الليالي
وكما قال البحتريّ :
جعلنا فداك الدهر ليس بمنعك * من النازل المشكوّ والحادث المشكيّ
وما هذه الأيام إلا منازل فمن منزل * رحب ومن منزل ضنك
وقد هذّبتك النائبات وإنّما * صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
أما في نبيّ الله يوسف أسوة * لمثلك محبوسا على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في الحبس برهة * فآل به الصبر الجميل إلى الملك