ومجانبة البقعة التي باشر فيها الذنوب والخطايا ، وأن يبدل بالإخوان إخوانا وبالأخدان أخدانا وبالبقعة بقعة ، ثم يكثر الندامة والبكاء على ما سلف منه والأسف على ما ضيّع من أيامه ولا تفارقه حسرة ما فرط وأهمل في البطالات ويرى نفسه مستحقة لكل عذاب وسخط .
وقال سيدي الشيخ محمد مظهر روح اللّه روحه ونور ضريحه : ولا يصحب الأغيار - وهم الذين لا يعتقدون في مشائخ الطريقة - خصوصا مع من يتكلم في شيخه ، أو لا يحبه ، أو يكون الشيخ معرضا عنه ، فإن المجالسة معهم سم قاتل ، فليجتنب ذلك أشد الاجتناب . انتهى .
فعلم من ذلك أن من خالف ذلك لم يدخل في الطريقة بعد وإن سرد في الظاهر إلى آخر المقامات بل حفظ أساميها دون أن يضع قدمه فيها ، ثم طريق السلوك ثلاثة : طريق الصحبة ، وطريق الذكر ، وطريق المراقبة ، كل ذلك موصل بنفسه رعاية شروطه من غير توقف أحدها على الخر .
والصحبة على نوعين :
صحبة بحسب الظاهر ، وصحبة بحسب الباطن . ويسمى الأخير عندهم : رابطة ، يعني : ارتباط المريد بالشيخ بحسب المحبة والعلاقة المعنوية الروحانية وتقويه به على ما قال المفسرون في قوله تعالى :
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
[ الكهف : الية 14 ] وقوّيناها بالصبر على هجران الأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام ، وكل من صبر على أمر فقد ربط نفسه عليه ، وحاصلها : تألف قلب المريد ، يقلب شيخه وهو نعمة عظيمة ولو بواحد من آحاد المؤمنين حيث قال اللّه تعالى :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
[ الأنفال : الية 63 ] الية . فما ظنك لو كان ذلك بواحد من صاحب دولة لائقة بالوساطة بين المريد المستوطن في حضيض البعد والهجران وبين الملك المنان ، أو هي توسل المريد بشيخه إلى اللّه تعالى وهو أيضا أمر مطلوب ومحمود . قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
[ المائدة : الية 35 ] الية .
[ والوسيلة تعم كل ما يصلح أن نتوسل به طاعة أي كان ]
والوسيلة تعم كل ما يصلح أن نتوسل به طاعة أي كان ، أو واحدا من أولياء اللّه تعالى يدل على ذلك آية أخرى وهي قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
[ الإسراء : الية 57 ] . قال المفسرون : هي القربة إلى اللّه عز وجل