تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
كان يوما قاعدا في محوطة العلماء بمحلة خواجة كفشير مع جمع من خواص الأصحاب في حجرة واحد من الطلبة ، وجرى الكلام في تصرفات شيخنا العجيبة وكراماته الغريبة ، ونقل كل من الأصحاب شيئا من هذا الباب ، ومولانا شيخ ساكت لا يتكلم . فخطر في بالي : إنه ماذا عليه لو تكلم بشيء في هذا الباب ؟ فقال بعد لحظة للأصحاب : أنتم إنما تكلمتم في تصرفاته الفاقية وما بيّنتم شيئا من تصرفاته الأنفسية . فقال له الأصحاب : فتفضل علينا بنقل شيء من ذلك . فقال : لما وصلت إلى صحبته في مبادي الحال ، وتلقنت عنه الذكر ، أتعبت نفسي كثيرا برياضات شديدة حتى ظهر شيء يسير من نتائج الاشتغال وكثر التفاته يوما فيوما ، فتيسر شيء من جمعية الباطن بعد مدة وحصلت نسبة الحضور في الجملة . فأمرني حضرة الشيخ بكفاية بعض مهمات الزراعة وغيرها ، فشرعت النسبة في الضعف والانحطاط شيئا فشيئا لتطرق الفتور إلى الاشتغال الباطني بسبب الاشتغال بالشغل الظاهري المأمور به . فحصل لي من ذلك ألم عظيم وحزن كثير ، فقلت في نفسي : أذهب عند حضرة الشيخ وأعرض عليه ألم قلبي . فجئت خلوته في وقت الفرصة وأردت أن أعرض عليه شيئا من بعض أحوالي المتشتتة ، فقال قبل أن أتكلم : يا مولانا شيخ إن الخلوة في الجلوة أصل كلي في طريقة خواجكان قدّس اللّه أرواحهم ، وبناء جميع أمورهم على ذلك ، وذلك الأصل مأخوذ من قوله تعالى :
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ النّور : الية 37 ] . وأن نسبة هؤلاء الأكابر محبوبة ، وغيرة المحبة تقتضي أن يكون المحبوب مستورا . وكيف يريد المحب الغيور كون محبوبه من غير حجاب عن الأغيار ؟ وتحصيل هذه النسبة من غير سترها بشيء ليس من دأب هؤلاء الطائفة العلية ، بل لا بد من جمعها مع شغل من الأشغال الظاهرية . فتضرعت إليه بحسب الباطن لكوني عاجزا عن الجمع بين أمرين ، فقال : اجتهد بصرف الهمة فيه فعسى اللّه سبحانه يعطيك قوة تحصل بها أمور . والتفت إليّ مقارنا لهذا الحال ، فاستولى على باطني ما كان يتيسر لي أحيانا بالتعمل والتكلف وصار ثابتا ومتمكنا في قلبي ، وحصل له الاطمئنان وتخلص عن التردد والافتتان . ثم كان ذلك نصب العين في جميع الأشغال والأحوال والنوم واليقظة والسكون والانتقال والحمد للّه على ذلك . توفي مولانا شيخ بعد مضي أيام من إتمام « الرشحات » في أواخر سلطنة سلطان الأوزبك ، ودفن في محوطة العلماء رحمه اللّه . * * *