وكما أن الشجرة تطلع من الحبة كذلك التوحيد الصرف المجرد عن لباس الحرف والصوت العربي والفارسي والشكل واللون والكيف والكم وعن جميع الجهات ، يظهر من مضمون الكلمة .
* * *
من خوارقه للعادات قدّس سرّه
قال مولانا علاء الدين الذي هو من أجّلة أصحابه ، وسيجيء ذكره : كنت مرة مريضا ، فجاء مولانا سعد الدين لعيادتي وجلس على طرف صفة مراقبا ، وكان في سقف تلك الصفة روزنة حذاء رأسه ، فنشرت فأرة من تلك الروزنة مقدارا من التراب فسقط على رقبته وجيبه فرفع رأسه إلى جهة الفوق ثم راقب ثانيا فنشرت الفأرة مقدارا من التراب أيضا ، فنظر إليه كالأول حتى وقعت تلك الصورة ثلاث مرات ، فنظر إليها في الرابعة وقال مغضبا : يا فئيرة ، يا فويسقة . ثم قام وخرج وكنت قاعدا على فراشي وصرت خجلا ومنفعلا من هذه الصورة ، فرأيت بعد لحظة هرة ظهرت من تلك الروزنة وقعدت في الكمين فنشرت الفأرة قدرا من التراب فوثبت الهرة وجرت الفأرة بأظفارها من جحرها وقتلتها وأكلت قدرا منها وتركت الباقية .
فأحصيت في هذا اليوم ما قتلت الهرة من الفأرة في تلك الروزنة فبلغت ثمان عشرة فأرة وأكلت من كل واحدة منها قليلا وتركت الباقي ثم غابت .
وقال مولانا بير علي أخو مولانا علاء الدين المذكور ، وكان من مخلصي مولانا سعد الدين قدّس سرّه : كنت أبيع أثوابا في دكان ، فجاء يوما محصّل الأمير بمنشور وشرع في الغلظة والسفاهة ولم تكن لي في هذا الوقت قدرة على أداء ما في منشوره ، فصرت متحيّرا وعاجزا ، فظهر مولانا مقارنا لهذا الحال ، ولما رأى منه هذا التشديد وضع يده المباركة على كتفه وقال : يا أخي احفظ لسانك . ولما وصلت يده إلى كتفه صار مدهوشا وسقط مغشيا عليه في وسط السوق وبقي مدة على هذا الحال ، وجلس مولانا على باب دكاني . فلما أفاق قام بتمام التواضع وألقى نفسه على قدم مولانا ومسح وجهه عليها وتاب من شغله الذي كان فيه وأقبل على الطريقة .
وحكى هو أيضا : أن والدة أولادي كانت حاملا ولما مر من حملها أربعة أشهر قصدت إسقاط الجنين ، فانعكس الجنين وتغيّر عليها الحال وصارت قريبة من