الخارج ، بل وقوع ذبابة في الورق ، فالجماعة الذين توجههم إلى اللّه وشغلهم باللّه دائما يكون حديث النفس مشوّشا لحالهم البتة ولا يتركهم للاشتغال باللّه ، فمن كان عنده طفل يبكي ويشوش وقته يأمر أمه بإرضاعه حتى يسكت . فينبغي للطالب أيضا أن يضع ثدي الذكر على فم القلب ليمصّ منه اللبن المعنوي فيتخلص من الخيالات الفارغة وحديث النفس بسبب اشتغاله بالذكر . وقد يكون الذكر أيضا حديث النفس بالنسبة إلى بعض آخر .
* رشحة : قال يوما مخاطبا للأصحاب : أيها الأحباب اعلموا أن الحق سبحانه مع كونه في غاية العظمة والكبرياء ، في غاية القرب منكم ، فكونوا في هذا الاعتقاد . وإن لم يكن هذا المعنى معلوما لكم الن لكن ينبغي أن تكونوا مع الأدب دائما في الخلاء والملاء ، فإذا كان أحدكم في بيته وحده لا يمدن رجليه واقعدوا في الخلوة مصاحبين للحياء ، ناكسين رؤوسكم ، وغامضين عيونكم ، وكونوا مع اللّه بالصدق في السر والعلانية ، والظاهر والباطن . فإن قمتم بحفظ هذه الداب يكون لكم ذلك المعنى معلوما بالتدريج . وينبغي تحلية أنفسكم بحلى الداب الظاهرية والباطنية .
فالداب الظاهرية : القيام بأوامر الشرع ونواهيه والمداومة على الوضوء والاستغفار ، وتقليل الكلام ، والاحتياط في جميع الأمور ، وتتبع آثار السلف .
والداب الباطنية : عسيرة جدا ، وأهم الداب حفظ القلب عن خطور الأغيار فيه ، خيرا كان أو شرا ، فإنهما مساويان في كونهما حجابا عن الحق .
* رشحة : قال : إن اللّه سبحانه قد علّم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم طريقة المراقبة حيث قال :
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ
[ يونس : الية 61 ] . وأصل المسألة : هو أن اللّه سبحانه قال ذلك تعليما لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم .
فخلاصة الأمر : أن تكونوا مشتغلين باللّه فإنه قريب إلى عبده من كل شيء ، بل هو أقرب من أن نقول أقرب ، فإن حال القرب لا تسعه العبارة . فمتى عبروا عن القرب بالعبارة ينقلب القرب بعدا . والقرب ليس هو قولك : قد تقرّبت إليك ، حتى تعبّر عنه بعبارة ، بل القرب كونك ممحوا وفانيا فيه ، وذهو لك عن نفسك وعن غيرك فيه ، وأن لا يكون لك علم بأنك أين كنت ومن أين جئت ، وأن لا تقدر أن تعبّر عنه