تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
صغر سني أنه لم يقابلني أحد إلا كان مغلوبا ولم يروج أمره ولا مجال لأحد في معاندة مريدي خواجة عبد الخالق ، فإنهم هم الغالبون البتة بإذن اللّه تعالى وعونه
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
[ المائدة : الية 56 ] . وكان حضرة شيخنا قوي الاعتقاد وكثير الاستحسان لوعظ درويش أحمد ، وقال : كان قلبي كثير الميلان إلى وعظه ، وقد كان يتكلم كثيرا بكلام حسن دقيق وكان مجلس وعظه حقيقا بأن يحضر فيه أمثال الشيخ أبي حفص الحداد وأبي عثمان الحيري ، وكان يقول أحيانا : كان ينبغي أن يحضر في مجلسه أبو القاسم الجنيد والشيخ أبو بكر الشبلي ليسمعا منه الحقائق الرفيعة . تكلم يوما في مجلس الوعظ بكلام رفيع دقيق ففطن أن بعض المنكرين في المجلس يقول : ما كان ينبغي أن يتكلم بأمثال هذا الكلام في مجلس العوام ، بل الأليق التكلم على قدر عقول الأنام . فقال في الحال : إنك لا تفهم دقائق كلام هذه الطائفة لدناءتك وغباوتك ، فمن أين علمت أن الحاضرين كلهم أغبياء مثلك لا يفهمون المرام من الكلام . ولعل في هذا المجلس أناس يصدر هذا الكلام من أجلهم وبالنسبة إليهم ولا ينبغي أن تحسب الكل غبيا عديم الفهم مثلك . وقال حضرة شيخنا : كان درويش أحمد يتكلم في المنبر بكلام عال جدا ، وكان النظاميون يطلقون عليه لسان الطعن والإنكار ، وكان جواب معتقديه ومحبيه من طرفه : أن أمثال هذا الكلام تصدر عنه بلا اختيار فإن الكلام إنما يصدر على حسب استعداد الحاضرين في المجلس ، فلا اختيار له في هذا الكلام ولا مواخذة فيما لا اختيار فيه . وقال : كنت مرة في مجلسه فصدر عنه كلام في غاية الدقة واللطافة ، فافتخر بهذا الكلام وظن أنه ناشىء عن استعداده . وأظهر المنة على أهل المجلس وقال : أنا الذي يقرع سمعكم بواسطتي الحقائق الغيبية والمعارف اللاريبية ، وأنتم لا تعرفون قدرها ولا تخرجون عن عهدة شكرها . وكرر هذا الكلام وتجاوز الحد في الامتنان ، وبلغ من المبالغة في هذا الباب النهاية ، فثقل تفاخره هذا عليّ ، فقلت في نفسي : من أين صار لك معلوما أن هذا الكلام ناشىء عن حقيقتك ! فلم لا تحمله على أن يكون في هذا المجلس بعض خواص عباد اللّه بجذب استعدادهم هذه المعاني من المبدأ الفياض فإن لم يكن استعدادات وقابلية من أهل المجلس لم تقدر