أفضل من هذا العالم . وقد أريت الخضرة في النظر فقال شخص : نعم الخضرة ، فقال : التراب أيضا طيب لم يبق ميل إلى هذا العالم أصلا ، غير أن الأحباب يجيئون ولا يجدونني فيرجعون مكسوري القلوب .
وقال في هذا المرض للأصحاب : اتركوا الرسم والعادة وافعلوا خلاف ما هو رسم الخلق وعادة العامة وليوافق بعضكم بعضا . وحكمة بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنما هي لإبطال العادات ورسوم البشرية ، وليكن كل واحد منكم مقيما في جنب الخر وجواره بنفي نفسه وإثبات صاحبه ، واعملوا في جميع الأمور بالعزيمة ولا تعدلوا عنها ما استطعتم . والصحبة سنّة مؤكدة فداوموا على تلك السنّة خصوصا وعموما ولا تتركوها البتة . فإن استقمتم على هذه الأمور التي أمرتكم بها يحصل لكم على استقامة لحظة ما حصل لي في جميع عمري ، وتكون أحوالكم في التزايد . وإن تركتم هذه الوصايا وخالفتموها تكونوا أذلاء متفرقين . ثم شرع في ذلك الأثناء في تكرار كلمة التوحيد بصوت عال .
وقال في آخر حياته في حق هذا الفقير في حضور الأصحاب : كان بيني وبينه محبة للّه وفي اللّه أزيد من مدة عشرين سنة وهي لا تتغير البتة .
وقال في غيبة هذا الفقير : إني راض عنه كما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم راض عن أصحابه .
ولقد جرى ليلة بيني وبينه كلام وشرف هذا الفقير بنسبته الباطنية ، وتكلم في الاتحاد المعنوي ، وكان ذلك الكلام مناسبا لمعنى
قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
[ النّجم : الية 9 ] فذكر تلك الليلة وقت رحلته وقال : قد مرت بيني وبينه ليلة وهو يعلم الكلام الذي جرى فيها وغيره لا يعلم ، وإنما ذكر تلك الليلة لأجل تأكيد المحبة والرضا .
وقال : لو كانت بيني وبينه صورة العتاب كان الباعث عليها المحبة والشوق .
وذكر الفقير في مرضه الأخير كثيرا . وبالجملة ، كان في خاطره الشريف التفات تام إلى هذا الفقير وكل رجاء الفقير من هذا المعنى .
وكان كلامه في مرضه الأخير أحيانا في باب الرضا والوجد والمحبة والشوق ، وأحيانا في النصيحة والحكمة ودعاء الخير للخلق . ومن جملة ما جرى على لسانه في هذا الوقت هذا البيت : [ شعر ]
ما نيستانيم وعشقت آتشست * منتظر تا آتش أندرني فند