قال القاضي : ورأيت في بعض المجاميع أن الحريريّ عمل المقامات أربعين مقامة ، وحملها إلى بغداد فاتّهمه جماعة من أدباء بغداد فقالوا : هي لرجل مغربيّ مات بالبصرة ، ووقعت أوراقه إلى الحريريّ وظفر بها ، فادّعاها . فسأله الوزير عن صناعته فقال : أنا رجل منشئ . فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عيّنها له ، فانفرد في ناحية من الدّار وأخذ الدّواة والورق ومكث زمانا فلم يفتتح عليه بشيء يكتبه فقام خجلان « 1 » . وكان ممّن أنكر دعواه عليّ بن أفلح الشّاعر فعمل في ذلك « 2 » : [ من المنسرح ] :
شيخ لنا من ربيعة الفرس * ينتف عنثوته من الهوس
أنطقه اللّه بالمشانّ * كما رماه وسط الدّيوان بالخرس
وكان الحريريّ يذكر أنّه من ربيعة الفرس ، وكان يولع بنتف لحيته عند الفكرة ، وكان يسكن في مشانّ البصرة ، ولما رجع إلى بلده حمل [ إليها ] خمسين مقامة ، وسيّر العشر واعتذر عن العيبة بالهيبة . وقيل : بل كره المقام ببغداد متجاهل .
ويحكى : أنّه كان دميما قبيح المنظر فأتاه غريب يزوره ويأخذ عنه ، فلما رآه استزرى شكله ، ففهم الحريريّ ذلك منه فلما التمس أن يملي عليه قال له : اكتب « 3 » : [ من البسيط ] :
ما أنت أول سار غرّه قمر * أو رائد أعجبته خضرة الدّمن
فاختر لنفسك غير أنّي رجل * مثل المعيدي « 4 » فاسمع لي ولا ترن
وكان الحريريّ من الأغنياء بالبصرة . فقال : كان له ثمانية عشر ألف نخلة ، وقال :
كان قذرا في نفسه وشكله ولبسه ، قصيرا دميما بخيلا ، مولعا بنتف لحيته فنهاه الأمير وتوعّده على ذلك ، وكان كثير المجالسة له فبقي كالمقيّد لا يتجاسر أن يعبث بلحيته ، فتكلّم في بعض الأيام بكلام أعجب الأمير ، فقال له : سلني ما شئت حتى أعطيك .
فقال : أعطني لحيتي . قال : قد فعلت .
هامش
( 1 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 4 / 65 .
( 2 ) البيتان في : الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 464 ، وابن خلكان : وفيات الأعيان 4 / 66 وعثنونه : لحيته . الهوس : طرف من الجنون .
( 3 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 465 ، وابن خلكان : وفيات الأعيان 4 / 66 .
( 4 ) المعيدي : ينسب إلى معدّ بن عدنان ، ونسبوه بعد أن صغّروه وخففوا منه الدال : ابن خلكان 4 / 68 .