فقال معتذرا : ما كنت أجوّز في ديني أن أقف عن الدّعوة ، ومنفعة الطّالبين . وقد خفّ عليّ أن أبوح بالحقّ ، وأنطق به ، وأدعو إليه ، وكان صادقا في ذلك .
فلمّا خفّ أمر الوزير وعلم أنّ وقوفه على ما كان فيه من ظهور وحشة ، وخيال طلب جاه وحشمة « 1 » ، ترك ذلك قبل أن يترك ، وعاد إلى بيته ، واتّخذ في جواره مدرسة لطلب العلم ، وخانقاه « 2 » للصّوفيّة ووزّع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم القرآن ، ومجالسته أصحاب القلوب ، والقعود للتّدريس لطالبه ، إلى أن توفّاه اللّه سبحانه وتعالى ، بعد مقاساة أنواع من القصد ، والمناوأة من الخصوم ، والسّاعين به إلى الملوك ، وكفاية اللّه إياه وحفظه وصيانته عن أن تنوشه أيدي النّكبات ، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزّلّات « 3 » .
وكانت خاتمة أمره ، إقباله على طلب حديث المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ومجالسة أهله ، ومطالعة ( الصّحيحين ) « 4 » ولو عاش لفاق الكلّ في ذلك الفنّ ، بيسير من الأيّام ، ولم يتّفق له أن يرو ، ولم يعقب إلا البنات .
وكان له من الأسباب ، إرثا وكسبا ما يقوم بكفايته ، وقد عرضت عليه أموال فما قبلها « 5 » .
ومما كان يفترض به عليه ، وقوع خلل من جهة النّحو يقع في أثناء كلامه ، وروجع فيه ، فأنصف من نفسه ، واعترف بأنّه ما مارسه واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه ، مع أنّه كان يؤلف الخطب ، ويشرح الكتب ، بالعبارة التي يعجز الأدباء والفقهاء عن أمثالها « 6 » .
وممّا نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسيّة ، في كتاب ( كيمياء السّعادة والعلوم ) . وشرح بعض الصّور والمسائل ، بحيث لا يوافق مراسم الشّرع وظواهر ما عليه قواعد الإسلام .
هامش
( 1 ) طبقات ابن الصلاح 1 / 263 وتبيين كذب المفتري 295 .
( 2 ) ابن الجوزي : المنتظم 17 / 126 ، العماد : شذرات الذهب 5 / 12 ، طبقات ابن الصلاح 1 / 262 .
( 3 ) ابن الصلاح : طبقات الفقهاء الشافعية 1 / 263 ، تبيين كذب المفتري 295 ، 296 .
( 4 ) ابن منظور : مختصر تاريخ دمشق 23 / 198 ، العماد : شذرات الذهب 5 / 12 .
( 5 ) ابن عساكر : تبيين كذب المفتري 296 .
( 6 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 326 .