طرفا ينثرونه على محفّته . وخرج الخبّازون ، ونشروا الخبز ، وهو ينهاهم ، ويدفعهم من حواليه ، وينتهون .
وخرج من بعدهم أصحاب الفاكهة ، والحلوى وغيرهم ، وفعلوا كفعلهم . ولمّا بلغت النّوبة إلى الأساكفة « 1 » ، خرجوا وقد عملوا مداسات لطافا للصغار ونثروها ، وجعلت تقع على رؤوس الناس ، والشيخ أبو إسحاق يتعجّب . فلما انتهوا بدأ يداعبنا ويقول : رأيتم النّثار ما أحسنه . أي شيء وصل إليكم منه ؟ فنقول لعلّ أن ذلك يعجبه :
يا سيدي ؟ وأنت أي شيء كان حظك منه ؟ فيقول : أنا غطّيت نفسي بالمحفّة « 2 » . وخرج إليه من النسوة الصوفيات جماعة ، وما منهن إلا من بيدها سبحة ، وألقوا الجميع إلى المحفّة ، وكان قصدهن أن يلمسها بيده ، فتحصل لهنّ البركة « 3 » ، فجعل يمرّها على بدنه وجسده ، ويتبرّك بهنّ ، ويقصد في حقهنّ ، ما قصدن في حقّه .
وقال شيرويه الدّيلمي في ( تاريخ همذان ) : أبو إسحاق الشيرازي ، إمام عصره ، قدم رسولا علينا من أمير المؤمنين إلى السلطان ملكشاه . سمعت منه ببغداد ، وهمذان ؛ وكان ثقة فقيها ، زاهدا في الدنيا عالي التحقيق ، أوحد زمانه « 4 » .
قال خطيب الموصل : حدّثني والدي قال : توجهت من الموصل سنة تسع وخمسين وأربعمائة إلى بغداد ، قاصدا الشيخ أبا إسحاق ، فلما حضرت عند باب المرائب بالمسجد الذي يدرّس فيه ، رحّب بي وقال : من أين أنت ؟ قلت من الموصل .
قال : مرحّبا أنت من بلدي .
فقلت : يا سيدنا : أنت من فيروزآباد وأنا من الموصل !
فقال : أما جمعتنا سفينة نوح عليه السلام ؟ .
وشاهدت من حسن أخلاقه ولطافته وزهده ، ما حبّب إليّ لزومه ، فصحبته إلى أن توفي « 5 » .
هامش
( 1 ) الأساكفة : هم الذين يصنعون الأحذية ، ومفردها الإسكاف / مختار الصحاح / .
( 2 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 18 / 460 ، السبكي : طبقات الشافعية 3 / 91 .
( 3 ) السبكي : طبقات الشافعية 3 / 91 ، وفيات الأعيان 1 / 26 .
( 4 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 18 / 460 .
( 5 ) نفسه 18 / 460 ، والسبكي : طبقات 3 / 93 .