وقد قرأ القرآن بخراسان ، والعراق ، على قرّاء وقته . وتفقّه على : أبي الوليد حسان ، والأستاذ أبي سهل . واختصّ بصحبة إمام وقته أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغيّ ، فكان الإمام يراجعه في السّؤال ، والجرح والتعديل ، والعلل . وأوصى إليه في أمور مدرسته دار السّنة ، وفوّض إليه تولية أوقافه في ذلك « 1 » . وذاكر مثل : الجعابيّ « 2 » ، وأبا علي الماسرجسيّ الحافظ ، الذي كان أحفظ زمانه . وقد شرع الحاكم في التصنيف ، سنة سبع وثلاثين ، فاتفق له من التصانيف « 3 » ، ما لعلّه يبلغ قريبا من ألف جزء ، من تخريج الصحيحين ، والعلل ، والتراجم ، والأبواب ، والشيوخ ، ثم المجموعات ، مثل ( معرفة علوم الحديث ) و ( مستدرك الصحيحين ) و ( تاريخ النيسابوريين ) وكتاب ( مزكّي الأخبار ) و ( المدخل إلى علم الصحيح ) وكتاب ( الإكليل ) و ( فضائل الشافعي ) وغير ذلك . ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيّامه ، ويحكون : أن متقدّمي عصره ، مثل الإمام أبي سهل « 4 » الصّعلوكي ، والإمام ابن فورك « 5 » ، وسائر الأئمة ، يقدّمونه على أنفسهم ، ويراعون حقّ فضله ، ويعرفون له الحرمة الأكيدة . ثم أطنب عبد الغافر في نحو ذلك من تعظيمه . وقال : هذه جمل يسيرة ، هي غيض من فيض سيره وأحواله . ومن تأمّل كلامه في تصانيفه ، وتصرّفه في أماليه ، ونظره في طرق الحديث ، أذعن لفضله ، واعترف له بالمزيّة على من تقدّمه ، وإتعابه من بعده ، وتعجيزه اللاحقين ، عن بلوغ شأوه « 6 » . عاش حميدا ولم يخلف في وقته مثله . مضى إلى رحمة اللّه ، في ثامن صفر سنة خمس وأربعمائة « 7 » . وقال أبو حازم عمر بن أحمد
هامش
( 1 ) السبكي : طبقات الشافعية 4 / 64 ، غاية النهاية في طبقات القراء : ابن الجزري 2 / 184 .
( 2 ) الجعابي : محمد بن عمر بن محمد أبو بكر الجعابي الفقيه / السبكي : طبقات الشافعية 1 / 316 و 3 / 287 و 4 / 19 .
( 3 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 17 / 162 - 177 ، ابن الصلاح : الطبقات 1 / 998 ، ابن الجزري :
طبقات القراء 2 / 185 .
( 4 ) هو : محمد بن سليمان بن محمد العجلي الحنفي الصعلوكي ( أبو سهل ) الفقيه / السبكي :
طبقات الشافعية 2 / 266 - 173 .
( 5 ) هو : محمد بن الحسن الأنصاري الأصبهاني أبو بكر ( ابن فورك ) السبكي : طبقات الشافعية 1 / 218 ، 3 / 172 ، 4 / 127 - 135 .
( 6 ) الشأو : الغاية والأمد / مختار الصحاح / .
( 7 ) مات الحاكم ( ابن البيع ) سنة 405 ه / تاريخ بغداد 5 / 474 ، ابن حجر : لسان الميزان 5 / 232 ، 233 .