مشى هو والخان على النّاس بالشراب فسقياهم كلّهم ، ووقفا حتى يتملّى الجميع من الأكل على هينتهم ، فإذا فرغوا بأجمعهم مشى هو والخان ثامن مرّة على الناس بالإبريق في يده ، والطّست في يد الخان حتى يغسل الجميع أيديهم من الطّعام ، ثم مشيا مرّة تاسعة بالتنبول حتى يفرّقاه على من هناك بأسرهم واحدا بعد واحد ، ثم مشيا المرّة العاشرة ففرقا فيهم الكافور كذلك .
ثم جلس وقرأ القرّاء من القرآن الكريم ما شاء اللّه ودعوا ، ثم انفضّوا جميعا ، فإذا لم يبق أحد جلس السلطان على سماط فأكل هو وأولاده وخواصّه .
فكان هذا دأبه في عمل المجتمعات الموفيات في كلّ عام ، ويبلغ مصروف السّماط النّبوي ألفي تنكة فضة ، عنها خمس مائة دينار ذهبا ، وكذلك أسمطة وفيات آل البيت والصّحابة والمشايخ ، لكنه بدون ذلك في المصروف .
وكان رحمه اللّه لا يتلو القرآن الكريم إذا قرأ حزبه في كلّ يوم في المصحف إلا وهو قائم على قدميه إجلالا وتعظيما ، فلم يعرف عنه أنه قرأ وهو جالس .
وكان إذا وفد عليه أحد من أولاد سلاطين الآفاق يبالغ في إعظامه ، ويوسع في عطائه ، ويزوّجه ، ويجعل له عسكرا في خدمته ، ويقطعه عدّة من القرى .
وكانت أيامه كلّها لا تنقضي إلا في عبادة ؛ أما نهاره ففي تلاوة القرآن ، ونسخ المصاحف ، والبحث في العلم مع الطّلبة ، وأما الليل فإنه يسمر عنده خواصه إلى نصف الليل في المباحث العلمية ، ثم يقوم فينام نحو ربع الليل ، وينتبه فيتلو ويذكر أوراده ، ويصلّي ربع الليل الآخر ، فإن عرض له في النّهار شيء من أشغال مملكته كالحكم بين الناس ونحوه كان أهل المجلس في بحثهم في العلوم ، وهو مع ما هو فيه من النّظر في أمور المملكة يشاركهم فيما هم فيه ، حتى إنه أيضا لا يبطل مباحثة
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 285
مساهمون: المقريزي
ص٢٨٥