معدنه إلى الأمصار تبرا فينوّعه الصّائغ ما بين مضروب ومصوغ أواني مختلفة ، ويطرّز به الألوان المفنّنة ، وهكذا الشعر إنما عرف عن العرب جزل الألفاظ فحل المقاطع والمبادي ، بديع الأسلوب ، فلما برع المحدثون تأنّقوا فيه وتناغوا بعجيب البديع من الجناس وغيره من الأنواع ، فنمّقوا الشّعر وهذّبوه ، واخترعوا المعاني البديعة وأتوا بالمرقص والمطرب ، ثم استحدثوا فنونا أخر من الشّعر كأنها أجنبية أو غربية عنه كالدّوبيت ، والمواليا ، والزّجل ، والموشّح ، والقوما ، وكان وكان ، فجاءوا في كلّ فن من هذه الفنون بالسّحر المبين والعجب العجاب .
وكان له شعر كثير لم يقدّر لي أن أكتب عنه شيئا ، ثم رأيت بخطه مختارا من شعره فعلّقت منه :
من لي بماضي زمان قد قطعت به * على الغضا غضّ عيش كان وانقرضا
حلا فمرّ كضيف الطّيف حين سرى * مستوفزا أو كبرق خاطف ومضا
ومنه :
قد عاود الحبّ قلبي بعد سلوته * واستعذب الضّيم والتّعذيب والنّصبا
وكان أقسم لا يصبوا لظبي نقا * مما رأى في هوى غزلانه وصبا
89 - أبو بكر بن علي بن حجّة « 1 » الحمويّ ، تقيّ الدين « 2 » .
ولد بحماة على ما أخبرني في سنة سبع وستين وسبع مائة تخمينا .
لقيته مرارا أوّلها بدمشق في صفر سنة ثنتي عشرة وثمان مائة فأنشدني لنفسه :
هامش
( 1 ) قيده السخاوي في الضوء اللامع 11 / 53 فقال : « بالكسر ، باسم الشهر » .
( 2 ) ترجمته في : السلوك 4 / 933 ، والدر المنتخب ، الترجمة 407 ، وإنباء الغمر 8 / 310 ، والنجوم الزاهرة 15 / 189 ، والدليل الشافي 2 / 818 ، والضوء اللامع 11 / 53 ، ووجيز الكلام 2 / 532 ، وحسن المحاضرة 1 / 573 ، وشذرات الذهب 7 / 219 ، والبدر الطالع 1 / 164 .