بلاد المغرب سنة سبع وستّمائة ، فسمع بسبتة من أبوي محمد ، عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه الحجريّ ، وعبد المنعم بن محمد بن الفرس .
وقدم مصر ، وسار إلى الحجاز ، ورحل مع قافلة الحجّاج إلى بغداد وأقام بها ، يسمع ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالنظاميّة . ثمّ سافر إلى خراسان ، وسمع بنيسابور وهراة ومرو ، وعاد إلى بغداد ، وحدّث بكتاب السنن الكبير للبيهقيّ عن منصور بن عبد المنعم الفراويّ ، وبكتاب غريب الحديث للخطّابيّ .
وقدم إلى مصر فحدّث بالكثير عن جماعة ، منهم ، سوى من ذكرنا ، أبو الروح عبد المعزّ بن محمد الهرويّ ، وأمّ المؤيّد زينب بنت عبد الرحمن الشعريّ ، وأبي الحسن المؤيّد بن محمد الطوسيّ .
وخرج من مصر يريد الشام ، فمات بين زعقة والعريش ، من منازل الرمل ، في يوم الاثنين النصف من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين وستّمائة ، ودفن بتلّ الزعقة . وكان من الأئمّة الفضلاء في جميع فنون العلم ، من علوم القرآن والحديث والفقه والخلاف والأصلين ، والنحو واللغة . وله فهم ثاقب وتدقيق في المعاني مع النظم والنثر المليح . وكان زاهدا متورّعا حسن الطريقة ، متديّنا ، كثير العبادة ، فقيرا « 1 » مجرّدا متعفّفا نزه النفس ، قليل [ 58 أ ] المخالطة ، حافظا لأوقاته ، طيّب الأخلاق ، متودّدا ، كريم النفس .
قال ابن النجّار : ما رأيت في فنّه مثله . وله كتاب تفسير القرآن سمّاه « ريّ الظمآن » ، كبير جدّا . وكتاب الضوابط الكلّيّة في النحو ، وتعليق على الموطّا . وكان مكثرا شيوخا وسماعا .
وحدّث بالكثير مدّة بالحجاز وديار مصر والشام والعراق . وكان له [ كتب ] في البلاد التي يتنقّل إليها بحيث إنّه لا يستصحب كتبا [ في سفره ] اكتفاء بما له من الكتب في البلد الذي يسافر إليه . وكان كريما . قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان : أخبرني شرف الدين الجزائريّ بتونس أنّه كان على رحلة ، وكان ضعيفا ، فقال له : خذ ما تحت ذلك ! - وأشار إلى بساط أو سجّادة . ( قال ) : فرفعت ذلك فوجدت تحته نحوا من أربعين دينارا ذهبا ، فأخذتها .
وقال الحافظ جمال الدين اليغموريّ : أنشدني الشيخ العلّامة شرف الدين أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن محمد بن أبي الفضل لنفسه بالقاهرة [ الكامل ] :
قالوا : فلان قد أزال بهاءه * ذاك العذار ، وكان بدر تمام
فأجبتهم : بل زاد نور بهائه * ولذا تضاعف فيه فرط غرامي
استقصرت ألحاظه فتكاتها * فأتى العذار يمدّها بسهام
ومن شعره [ الكامل ] :
من كان يرغب في النجاة فما له * غير اتّباع المصطفى فيما أتى
ذاك السبيل المستقيم ، وغيره * سبل الغواية والضلالة والرّدى
فاتبع كتاب اللّه والسنن التي * صحّت فذاك إذا اتّبعت هو الهدى
ودع السؤال بكم وكيف ، فإنّه * باب يجرّ ذوي البصيرة للعمى
5 الدين ما قال النبيّ وصحبه * والتّابعون ومن مناهجهم قفا
هامش
( 1 ) في النفح : فقيها .