وكان يجلس إليه . وكان الشافعيّ سخيّا ، فلمّا فرغ من الأكل ، قال الرجل للشافعيّ : ما تقول في آكل الفجاءة ؟
فلوى عنقه وقال : هلّا كان السؤال قبل أن تأكل ؟
* * * وقال المزنيّ : كنت مع الشافعيّ يوما فخرجنا إلى الأكوام « 1 » فمرّ بهدف وإذا برجل يرمي بقوس عربيّة ، فوقف عليه ينظر ، وكان حسن الرمي فأصاب بأسهم ، فقال له الشافعيّ : أحسنت - وبرّك عليه . ثمّ قال : أمعك شيء ؟
قلت : معي ثلاثة دنانير .
فقال : أعطها إيّاه واعذرني عنده إذ لم يحضرني غيرها .
وقال الربيع : أخذ رجل بركاب الشافعيّ ، فقال لي : يا ربيع ، أعطه أربعة دنانير واعذرني عنده .
وفي رواية : مسك رجل للشافعيّ الركاب فقال [ 170 أ ] : يا ربيع ، أعطه خمسة دنانير ، واعتذر لنا عنده . ( قال الربيع : ) فأعطيته ، ولو دفع إليه خمسة دراهم لكان كثيرا ، ولكنّ نفس الشافعيّ واسعة .
قال : وكان الشافعيّ راكب حمار ، فمرّ على سوق الحذّائين فسقط سوطه من يده ، فوثب غلام من الحذّائين فأخذ السوط ومسحه بكمّه وناوله إيّاه . فقال الشافعيّ لغلامه : ادفع تلك الدنانير التي معك إلى هذا الفتى .
قال الربيع : فلست أدري كانت تسعة دنانير أو سبعة .
* * * قال الربيع : تزوّجت فسألني الشافعيّ : كم أصدقتها ؟
قلت : ثلاثين دينارا .
قال : وكم أعطيتها .
قلت : ستّة دنانير .
فصعد داره وأرسل إليّ بصرّة فيها أربعة وعشرون دينارا .
* * * وقال الربيع : كان الشافعيّ به هذه البواسير ، وكانت له لبدة محشوّة بحلبة فكان يقعد عليها .
فإذا ركب أخذت تلك اللّبدة « 2 » ومشيت خلف حماره . فبينا هو يمرّ إلى منزله ناوله إنسان رقعة فيها : إنّني رجل بقّال أبيع البقلة ، ورأس مالي درهم ، وتزوّجت امرأة وأريد أن أدخل بها ، وليس لي إلّا ذلك الدرهم : تعينني بشيء .
فقال : يا ربيع ، أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده !
فقلت : أصلحك اللّه ، إنّ هذا يكفيه عشرة دراهم .
قال : ويحك يا ربيع ! وما نصنع بثلاثين دينارا ؟
أفي كذا أم في كذا ؟ - يعدّ ما يصنع في جهازه - أعطه ثلاثين دينارا واعذرني عنده !
* * * وقال الربيع : ولدت لنا شاة في زمان ليس فيه لبأ . فأمرت بلبئها فعمل . ثم تركته حتى برد واستحكم . وصفيّته في جام ولفقته في منديل ديبقيّ وختمته ، وأنفذته إلى الشافعي لأتحفه به .
فأعجبه وقبله وردّ عليّ الجام وفيه مائة دينار عينا .
هامش
( 1 ) الكومة بالضمّ والفتح : الهضبة .
( 2 ) اللبدة بالضمّ والكسر : الصوف المتلبّد .