الدين محمد القزوينيّ الشافعيّ ، فاستتابه ، ومنع هو وعدّة من الوعّاظ أن يتحدّثوا على الناس .
فلمّا مات الضياء محمد بن إبراهيم المناوي ، استقرّ عوضه في تدريس الشافعيّ تاج الدين محمد بن إسحاق المناوي « 1 » بسفارة قاضي القضاة عزّ الدين عبد العزيز ابن جماعة ودرّس به . فثار ابن اللبّان عليه ، وتعصّب معه الأمير جنكلي بن البابا ، والأمير آقسنقر وعدّة من الأمراء ، وعرّفوا السلطان من تعظيمه ما اقتضى استقراره في التدريس .
ونزل يدرّس ومعه الأمير أرغون الكاملي وجماعة أمراء . فأخرج ناصر الدين [ 85 ب ] بن فار السقوفيّ محتسب مصر من سكنه بالشافعيّ وألزمه بالأجر مدّة سكنه . فرتّب على ابن اللبّان فتيا نسبه فيها إلى أمور تكلّم بها توجب إراقة دمه . وطلبه ليدّعى عليه فلم يتمكّن منه لقوّة جاهه بالأمراء .
وتوفّي في طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة .
وكان بارعا في الفقه والأصول والنحو والتصوّف والوعظ . واختصر كتاب الروضة في الفقه ، وبوّب كتاب الأمّ للشافعيّ ورتّبه على المسائل والأبواب . وصنّف كتابا في متشابه القرآن والحديث ، وهو مختصر حسن تكلّم فيه على بعض الآيات والأحاديث المتشابهات بكلام حسن على طريقة التصوّف « 2 » .
ومن شعره [ المتقارب ] :
تشاغل عنّا بوسواسه * وكان قديما لنا يطلب
محبّ تناسى عهود الهوى * وأصبح في غيرنا يرغب
ونحن نراه ونملي له
ويحسبنا أنّنا غيّب * ونحن إلى العبد من نفسه
ووسواس شيطانه أقرب
وممّا أخذ عليه قوله : إلا هي ، جلّت عظمتك أن يعصيك عاص أو ينساك ناس ، ولكن أوحيت روح أوامرك في أسرار الكائنات فذكرك الناسي بنسيانه وأطاعك العاصي بعصيانه . وإن من شيء إلّا يسبّح بحمدك إن عصى داعي إيمانه فقد أطاع داعي سلطانك ، ولكن قامت عليه حجّتك ،
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
[ الأنعام : 149 ]
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء 24 ] .
[ 86 أ ] وذكره القاضي شهاب الدين أحمد ، ابن القاضي محيي الدين يحيى بن فضل اللّه في كتاب مسالك الأبصار إلى ممالك الأمصار « 3 » ، فقال :
طراز مصر المذهب ، وفرد أهلها في علم الحقيقة والمذهب ، والفائز المعلّى قدحه ، والسّيّد المحلّى بذائب الذهب مدحه ، طاب غرسه وأشرقت ملء المشارق والمغارب شمسه ، تتوالى منه وليّا تروّى أنواؤه وتجود الأرض سماؤه وتعود بالفرض والنوافل نعماؤه . صحب الشيخ ياقوت الحبشيّ « 4 » وغيره من مشايخ الإسكندريّة ومصر والشام ، وأخذ عنهم من علوم الطريقة والحقيقة ما تقدّم تمهيد العلوم الشرعيّة لسلوكه فيه حتّى برع وبذّ أهل زمانه وساد على أبناء دهره . وأطلق قلمه بالإفتاء ، واشتغل عليه أنواع الطلبة وأخذت عنه طوائف المريدين ، وتكلّم على رؤوس الأشهاد ، وحضر مجلسه الخاصّ والعامّ ، ولم يزل يشار إليه بالإجلال ويذكر بالتعظيم . وكنت أسمع به ولا يقيّض لي به لقاء . ثمّ أصيب بما لم يخلّ منه مثله مخلّ في بعض
هامش
( 1 ) تأتي ترجمة التاج المناوي صهر ابن جماعة برقم 1950 .
( 2 ) ذكر اليافعي كتبه في المرآة 4 / 748 ، ومولده عنده سنة 679 ، ولم يعرض لمحاكمته .
( 3 ) ج 8 ص 276 من مصوّرة سزكين .
( 4 ) توفّي الشيخ ياقوت في جمادى 732 ( البداية والنهاية 14 / 159 ، وانظر خبر الاستتابة ص 177 ، أحداث سنة 737 ) .