ورجع باقيهم إلى الشام . ودخل يزيد بن سياه المدينة فوقف على برذون أشهب وعليه ثياب بياض . فما لبث أن اسودّت ثيابه ودابّته ممّا مسح الناس به وما صبّوا عليه من الطيب .
قال ابن دريد : هو أوّل أمير أكل على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، قتله حنتف بن السجف [ التميميّ ] .
ودخل يوما على مروان بن الحكم وكان يجلسه على السرير معه ، فرأى روح بن زنباع في موضعه من السرير معه ، فأمر حملته ألّا يضعوه ، وقال : إن رددتم علينا موضعنا وإلّا انصرفنا عنكم .
فقال مروان : مهلا ! فإنّ لأبي زرعة مثل سنّك ، وبه مثل علّتك - يعني النقرس .
قال حبيش : أو له مثل يدي عندك ؟
قال : وله مثل يدك عندي ، إلّا أنّ يده غير مكدّره بمنّ .
قال : إنّي لأظنّك يا مروان أحمق .
قال : أظنّ أيّها الشيخ ظننته أم يقين استيقنته ؟
قال : بل ظنّ ظننته .
قال : فإنّ أحسن ما يكون الشيخ إذا أعجب بظنّه - وفي رواية : إنّ أحسن ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه . وفي رواية : إنّ أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنّه .
وقال صالح بن حسّان البصريّ : رأيت حبيش ابن دلجة على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأكل من مكتله « 1 » تمرا ويطرح نواه في وجوه القوم ، وقال :
واللّه إنّي لأعلم أنّه ليس بموضع أكل ، ولكنّي أحببت أن أذلّكم لخذلانكم لأمير المؤمنين .
وأخاف أهل المدينة خوفا شديدا وآذاهم ،
وجعل إذا خطبهم يشتمهم ويتوعّدهم وينسبهم إلى الشقاق والنفاق والغشّ لأمير المؤمنين - يعني يزيد - حتى أتاه الحنتف فخرج إليه وأبى أهل المدينة أن يعينوه [ 319 ب ] فقتل ، وسرّ بقتله أهل المدينة سرورا كبيرا وحبست أسراه وهم خمسمائة ، ثمّ ضربت أعناقهم .
[ وقتل حبيش بن دلجة في سنة خمس وستّين ] « 2 » .
1119 - حباسة بن يوسف الكتاميّ [ - 307 ] « 3 »
[ 412 أ ] حباسة بن يوسف الكتاميّ ، أحد قوّاد المهدي عبيد اللّه [ . . . ] .
وبعثه المهديّ على الجيوش لأخذ مصر ، وجهّز معه مائتي مركب . فسار إلى برقة ، وبها أبو النمر أحمد بن صالح من الأبناء « 4 » على جيش كبير
هامش
( 1 ) المكتل والمكتلة : الزنبيل من خوص للتمر وغيره .
( 2 ) الزيادة من مختصر تاريخ ابن عساكر 6 / 194 .
( 3 ) الكندي 267 ؛ ابن عذاري 1 / 168 ؛ الكامل ( سنة 302 ) .
ورواية المقفّى هنا تلازم كلام الكندي في كتاب ولاة مصر عند ترجمته لأبي منصور تكين الخاصّة ، ص 267 وما يليها .
ونجد في البيان المغرب 1 / 168 تفاصيل كثيرة عن حباسة بن يوسف الملّوسي وعن فعاله بأهل برقة ، وانقطاعه عن القائم بمصر ، ممّا جرّ قتله بالمهديّة حين عاد إليها . وتبع قتله انتقاض أخيه غزويه بن يوسف - الذي ساهم في الإيقاع بأبي عبد اللّه الشيعيّ - في جموع من ملوسة حتى إنّهم هدّدوا القيروان حسب رواية ابن الأثير ( حوادث 302 ) . والترجمة مفيدة بما أوردته من شعر المصريّين المناهضين للجيش الفاطميّ ، ولكنّها لا تعرّف بالشاعرين : ابن مهران ونافع بن محمد . وكذلك الكندي لا يعرّف بهما ، وإنّما يضيف ( ص 278 ) أنّ ابن مهران قتل بسبب بيتين قالهما في تكين لمّا عزل عن ولاية مصر ، فأمر بقتله عندما ولي مصر سنة 311 للمرّة الثالثة .
( 4 ) الأبناء : رجالات الدولة العبّاسيّة من الخراسانيّين ( دائرة -