[ وصوله معهم إلى بلاد كتامة ]
فلم يطمعهم وعلّق الأمر معهم على الاستخارة ، وكان جلدا محتالا قد علم الحيل . ثمّ أظهر لهم الإجابة بعد المسألة . وسار معهم حتى انتهوا إلى سوجمار « 1 » حيث تلقّاهم رجال من الشيعة فأخبروهم بخبر أبي عبد اللّه الشيعيّ ، فنظروا إلى تعظيم الكتاميّين إيّاه فرغبوا في نزوله عندهم حتى رموا عليه القرعة [ في ] من يضيّقه .
ثم رحلوا حتى دخلوا حدّ كتامة يوم الخميس النصف من ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين ومائتين « 2 » . فسأله قوم من خيارهم أن ينزل عندهم ، فقال : أين يكون فجّ الأخيار ؟
فنظر بعضهم إلى بعض تعجّبا ، وكانوا لم يذكروه في طريقهم ولا سمّوه له - وإنّما أخذه من كلام صبيانهم .
فقالوا له : عند بني سكتان .
فقال : إليه نقصد ! ثمّ نأتي كلّ قوم منكم في موضعهم ونزورهم في بيوتهم ، فأرضي بذلك قلوب الجميع .
وسار إلى جبل يقال له « إيكجان » وفيه فجّ الأخيار ، فقال : هذا فجّ الأخيار ، وما سمّي إلّا بكم ، لقد جاء في بعض الروايات أنّ للمهديّ هجرة تنبو [ به ] عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان : قوم مشتقّ اسمهم من الكتمان ، فأنتم هم كتامة ، وبخروجكم من هذا الفجّ [ 440 أ ] يسمّى فجّ الأخيار .
وتسامعت به القبائل وتحدّث [ ت ] بفضله وعلمه « 3 » في المحافل ، وأتته البرابر من كلّ فجّ فأظهر ما أذهل عقولهم . وعظم أمره إلى أن تقاتل كتامة عليه مع قبائل البربر ، وسلم من القتل مرارا ، وهو مع ذلك لا يذكر لهم المهديّ . واجتمع أهل العلم على مناظرته يريدون قتله . فمنعته كتامة من مناظرتهم ، وكان اسمه عند الناس « أبو عبد اللّه المشرقيّ » « 4 » .
[ تحرّك الأغلبي لقمع ثورة الداعي ]
وبلغ خبره إلى إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقيّة ، فأرسل إلى عامله على مدينة ميلة يسأله عن أمره .
فصغّره ، وذكر أنّه يلبس الخشن ويأمر بالخير والعبادة . فلم يعرض له وسكت عنه .
ثمّ إنّه قال للكتاميّين : أنا صاحب البذر الذي ذكر [ ه ] لكم أبو سفيان والحلوانيّ .
فقالوا : صدقت .
وازدادت محبّتهم له وإعظامه وقوي أمره وأطاع [ ت ] ه قبائل البربر : هذا وابن حوشب يواصله « 5 » ويسأله فيعرّفه ضعف بني العبّاس ببغداد .
فاتّفق أنّ البربر وكتامة اختلفوا بسبب أبي عبد اللّه وهمّ بعضهم بقتله ، فاختفى . ووقع بين الفريقين قتال شديد ، فأخذ الحسن بن هارون ، أحد كبراء كتامة ، أبا عبد اللّه إليه ، ودافع عنه ، ومضى به إلى مدينة تازروت « 6 » فأتته القبائل من كلّ مكان ، وعظم شأنه . وصارت الرئاسة
هامش
( 1 ) سوجمار : هي قرية سجرمة الحاليّة بالجزائر ( محمد الطالبيّ 600 ) ، وفي المخطوط : سوق حمار .
( 2 ) النصف من ربيع الأوّل سنة 288 كان يوم أحد ، وفي عيون الأخبار 88 : الخميس نصف ربيع الأوّل 280 ، وهو يوم اثنين في الواقع .
( 3 ) في الأصل : وعمله .
( 4 ) وستصبح عبارة « المشارقة » تسمية تهجين للعبيديّين عند جمهور السنّة بإفريقيّة .
( 5 ) هكذا في المخطوط ، ولعلّها : يراسله .
( 6 ) تاصروت في المخطوط ، والتصويب من عيون الأخبار وغيره .