كيف يرجى منه صفو * وهو من طين وماء ؟
وقال [ السريع ] :
وصاحب صاحبته عالما * بأنّه كالسمّ في الجسم
فكنت في صحبته كالذي * أضلّه اللّه على علم
وقال [ الخفيف ] :
حجّ في الدهر حجّة * وتغنّى وأحرما
وأتانا من الحجا * ز كما راح مجرما
وهو ذو الحجّة الذي * ما توقّى المحرّما
وقال [ الوافر ] :
أتطمع من زمانك ذا وفاء * وتأمّل ذاك جهلا من بنيه ؟
لقد قلّ الوفاء به ، وإنّي * لأعجب من وفاء النيل فيه
وقال [ الكامل ] :
ولقد كتمت غرامه حتّى بدا * في صفحتي خديه مشقة لام « 1 »
فوشى ونمّ عليّ آس عذاره * فأعجب لآس عذاره النمّام [ 352 ب ]
1159 - الحسن بن شعرة [ - 256 ] « 2 »
كان مضحّكا لأمير المؤمنين المتوكّل على اللّه ، وكان يغنّي أيضا . فقدم إلى مصر وانضوى إلى أحمد بن محمد بن مدبّر ، وصار لما يعلمه من
كراهة ابن مدبّر لأحمد بن طولون يذكره عنده بسوء ، فأحضره ابن طولون ونهاه عن ذلك ، وكأنّه إنّما أغراه به ، ولم ينته . فأقبل يتقرّب إلى ابن مدبّر يذكره بما لا يجوز من أبواب الضحك . فبلغه ذلك فبعث إليه من نهاه فلم ينته ، فأحضره وقال له :
ويحك ، انته عمّا بلغني عنك . فلن يبلغني بعد هذا شيء أكرهه إلّا أتيت على نفسك .
فعاد إلى ابن مدبّر بعد أن أحلفه ابن طولون ، فحلف له أنّ جميع ما يبلغه كذب عليه . فدخل خزائن كسوته وليس منها ثياب أحمد بن طولون ، وخرج إليه فجلس مثل جلوسه وحكاه بمثل كلامه وجميع إشاراته ، وأعاد على ابن مدبّر جميع ما خاطبه به أحمد بن طولون ، وابن مدبّر يضحك منه ويعجبه ذلك . فبلغ المجلس أحمد بن طولون فأسرّه في نفسه « 3 » .
وكان قد زاد السعر واضطرب البلد ، فركب أحمد بن طولون ليهدّئ الناس ويعاقب القمّاحين والخبّازين وينظر في مصالح الناس . فلمّا بلغ مسجد عبد اللّه ازدحم النساء من السطوح للنظر إليه من كلّ دار ، فاطّلعت امرأة من دار ابن شعرة من السطح من بين مركنين « 4 » فيهما ريحان .
وجاءت أخرى معها فازدحمنا فرمت إحداهما إحدى المركنتين فسقطت القدور على كفل فرس أحمد بن طولون ، فوثب به ونثره من السرج فلو لا ثباته في سرجه لطاح منه .
فسأل عن الدار ، فقيل : هي للحسن بن شعرة ، فأحضره في الوقت وشقّ ثيابه عنه وضربه في موضعه خمسمائة سوط وهدم الدار وطاف به البلد على جمل ، فمات لوقته ، وذلك في سنة ستّ وخمسين ومائتين .
هامش
( 1 ) المشقة ( مشق ) : الخطّ الطويل الدقيق في الكتابة .
( 2 ) لم نجد له ترجمة غير هذه .
( 3 ) في المخطوط : في أسره .
( 4 ) المركن والمركنة : الإجّانة والجفنة .