تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦

[ تغيّر الناصر عليه ] :

فلمّا أراد اللّه انقضاء أيّامه غيّر قلب السلطان عليه حتى قتله . وسبب ذلك أنّ حسن بن دامرداش كان قد أهمّه أمر تنكز وخافه . فيقال إنّه بلغ السلطان عنه أنّه قصد الحضور إليه إلى بلاد الروم ، وأنّه يخامر عليه . واتّفق مع ذلك أنّه وقع حريق بدمشق في ليلة السادس والعشرين من شوّال سنة أربعين [ وسبعمائة ] ، استمرّ يومين بلياليهما حتّى طغى ، ثمّ وقع حريق ثان في ليلة سلخه أشدّ من الأوّل مكث يومين وليلتين تلف فيه من الحوانيت والأمتعة شيء عظيم جدّا . فعثر على أنّه من فعل طائفة من النصارى . فقبض عليهم تنكز وأحاط بأموالهم ، فأفتى الفقهاء بقتلهم فسمّرهم ووسّطهم . وكتب يعلم السلطان بذلك ويستأذنه أن يصرف أموالهم في عمارة ما خرّب من أوقاف الجامع الأمويّ . فشقّ قتلهم على السلطان وعتبه في مكاتبته على قتلهم ، وأنّه قد جرّ على من بالقسطنطينيّة وغيرها تحت يد الفرنج من المسلمين بقتل هؤلاء بلاء عظيما ، ويأمره بحمل مالهم إلى الخزانة السلطانيّة « 1 » ، ويعلمه أنّ الأمير بشتاك والأمير يلبغا اليحيويّ وعشرين أميرا من الخاصّكيّة يحضرون ببنتي السلطان حتى يعمل مهمّ دخول ولديه عليهما . وكان قد شرع في عمارة ما خرب في الحريق من أوقاف الجامع ، وإنفاق مال النصارى عليه . فلمّا قرأ كتاب السلطان استوحش منه ، فإنّه [ منذ ] ولي الشام لم ينكر عليه شيئا فعله . وأخذ يعمل فكره في ذلك حتى قوي عنده أنّ السلطان قد ملّه وتغيّر عليه . وكتب يعتذر عن قتل النصارى ويتلطّف في الاعتذار ، ويسأل المهلة في عمل المهمّ ، وأنّه قد أنفق المال في عمارة ما احترق . وبعث به قرمجي الحاجب ووصّاه أن يكشف له عن حاله . فوجد قرمجي السلطان وقد تغيّر عمّا يعهده في حقّ تنكز . فاستحال مع السلطان ووشى بتنكز وعرّفه أنه قد خاف وبعثه لكشف أحواله . فرتّبه السلطان جاسوسا له على تنكز وعينا يحصي عليه جميع ما يتحرّك فيه ، ووعده أن يعمله حاجبا بمصر . فعاد قرمجي إلى تنكز وملأ قلبه خوفا ، فأخذ في تدبير أمره . وأخذ السلطان في العمل عليه أيضا ، وبعث طاجار الدوادار في صورة أنّه يعتب تنكز على تأخير عمل المهمّ ، وحمّله ملطّفات لقرمجي وغيره بمطالعة السلطان بما عزم عليه تنكز . وكان تنكز قد عوّل على حمل ماله إلى قلعة جعبر وأنّه يخرج كأنّه يتصيّد حتّى يصل إليها . فعبّأ ماله وسلاحه وبعث إلى جعبر وأمر العسكر بالتهيّؤ للصيد .

[ تجسّس السلطان عليه ] :

هذا وقد اشتهر بدمشق تغيّر السلطان عليه ، وهو يفضي بأسراره لقرمجي ثقة به ولا يعلم أنّه قد صار عينا عليه للسلطان . [ 337 أ ] فلمّا قدم طاجار إلى ظاهر دمشق ، بعث تنكز من يتلقّاه ويمنعه من إيصال ملطف لأحد ، فصار معه إلى أن دخل عليه وبلّغه ما جاء به . وجرت بينهما مفاوضة حفظ عليه فيها طاجار سقطة : وهي أنّه لمّا قال له طاجار : السلطان حلف لك ، قال تنكز : ولمن حلف وصدق حتى يصدق
هامش
( 1 ) خبر الحريق وعقاب الرهبان في السلوك 2 / 496 . ونقل عدنان درويش رواية عنه مطوّلة من كتاب مخطوط لابن قاضي شهبة ( التاريخ 2 / 115 ) .