وأراد ابن حديد أن يجمع له من في البلد ليجرّ الحبال فأبى أبو الصلت وقال : « جمع قليل يكفي » . وخرج ابن حديد والناس عندما فرغ أبو الصلت من عمله ليروا جرّ المركب . فانتخب أبو الصلت مائة وخمسين رجلا لجرّ المركب بعد ما أحكم الحبال فيها وهي غارقة في البحر . فلم يزالوا في جرّها إلى أن ظهرت . فتكاثر الرجال في الجرّ فانقطعت الحبال وردّت في وجوه الناس وصدورهم فأتلفت عدّة منهم . وشقّ على ابن حديد تلف « 1 » الحبال . فغضب أبو الصلت منه لإعراضه عن استحسان ما فعله . وصوّت استهزاء به في الملإ العظيم من الناس . فطالع ابن حديد الأفضل بذلك وأغراه بأبي الصلت وأنّه أتلف المال وأنّه أثّر في الرجال آثارا قبيحة ، ولم يف بالشرط بإخراج المركب . فأعيد الجواب بحمله فحمل إلى القاهرة وسجن بالمعونة « 2 » ، وفيه ألّف كتاب الحديقة ورسالة الأسطرلاب .
ولمّا فرّ لحق بيحيى بن المعزّ بن باديس الصنهاجيّ صاحب المهديّة وأقام بها حتى مات يوم الاثنين مستهلّ المحرّم سنة تسع وعشرين وخمسمائة .
وكان كما قال في حقّه العماد الأصفهانيّ أوحد زمانه وأفضل أقرانه ، متبحّرا في العلوم ، وأفضل فضائله إنشاء المنثور والمنظوم . وكان له القدرة على علم الأوائل ، وله الباع الأطول في المنطق والأصول . وله مصنّفات ، منها : [ 223 ب ] الحديقة ، على أسلوب [ 227 ب ] يتيمة الدهر للثعالبيّ ، والرسالة المصريّة ، تجري مجراها ، وله : تقويم الذهن في المنطق ، وغير ذلك . وله
ديوان شعر فائق .
843 - أمير كاتب [ 685 - 758 ] « 3 »
أمير كاتب ، ابن أمير عمر ، العميد ، ابن العميد أمير غازي ، الشيخ قوام الدين ، أبو حنيفة ، الفارابي ، الأتقاني ، الحنفي .
ولد بأتقان ليلة السبت تاسع عشر شوّال سنة خمس وثمانين وستّمائة . وقدم دمشق في عاشر رجب سنة سبع وأربعين وسبعمائة ، واجتمع بنائبها الأمير سيف الدين يلبغا اليحياوي ، واختصّ به .
وذكر له مسألة رفع اليدين في الصلاة وادّعى بطلان الصلاة بالرفع . فقام عليه قاضي القضاة تقيّ الدين السبكيّ ووهّى قوله .
ثم إنّه طلب إلى القاهرة فقدمها ثاني ربيع الأوّل سنة إحدى وخمسين فراح على الأمير صرغتمش فعظّمه ، وولّاه تدريس مدرسته لمّا بناها بالصليبة خارج القاهرة « 4 » .
وكان قد قام في أيّام الملك الصالح صالح « 5 » على الشافعيّة ، وسعى في إبطال المذهب جملة حتى كاد يتمّ ذلك ، لولا [ أن ] تدارك اللّه بلطفه وخيّب سعيه .
ومات يوم السبت حادي عشرين شوّال سنة ثمان وخمسين وسبعمائة بالقاهرة .
وكان قيّما بمذهبه - كتب شرحا كبيرا على
هامش
( 1 ) في المخطوط : تلاف . وهو مصدر غير مسموع .
( 2 ) المعونة : سجن الشحنة أو المحتسب . انظر دائرة المعارف الإسلامية 6 / 889 ب .
( 3 ) المنهل 3 / 101 ( 554 ) ؛ الدرر 1 / 442 ( 1078 ) ؛ النجوم 10 / 325 ؛ السلوك 3 / 37 ، ابن قاضي شهبة 2 / 123 ، البداية والنهاية 14 / 99 : القازاني عوض الفارابي .
( 4 ) المدرسة الصرغتمشيّة : الخطط 2 / 403 ( مجاورة لجامع ابن طولون ) .
( 5 ) تسلطن الملك الصالح صلاح الدين صالح ابن الناصر في جمادى الثانية سنة 752 .