يعرف عنه أنّه باع من شونته « 1 » إردبّا فما فوقه ، بل جميع غلاله على كثرتها ينعم بها ويتصدّق بها .
ولم يمرض قطّ فإنّه كان قليل الأكل بحيث لا يتناول الغداء في الأسبوع سوى مرّتين .
وما خرج قطّ في تجريدة إلّا وقام لجميع من يرافقه بجرايته وعليق خيله وأكله ، من يوم خروجه من القاهرة إلى يوم قدومه .
وطلع مرّة إلى سطح داره فرأى بادهنج « 2 » مرتفعا لموسى اليهوديّ صيرفيّ الأمير بكتمر الساقي ، فبعث غلمانه فهدموه إلى الأرض .
وكان لا يلبس المفرك ولا المصقول « 3 » ، ويتوجّه إلى الحمّام سحرا وبيده طاسة ومئزر حتى يغتسل ، من غير أن يرافقه أحد من غلمانه ولا مماليكه . فعرفه مرّة بعض الناس فأخذ حجرا وحكّ رجليه وغسله بسدر ، وهو لا يكلّمه . فلمّا خرج طلب الرجل وأمر به فضرب ، وقال : أنا ما لي مملوك ، ما عندي بابيّة ، ما لي غلمان حتى تتجرّأ عليّ .
وكان إذا خرج إلى جامعه لا يجسر أحد من مماليكه ، ولا من قوّام الجامع أن يقيم به ، بل يبقى فيه وحده ، ومتى رأى فيه ترابا أو خللا ضرب قوّامه ، فلم يشعر يوما إلّا [ 215 أ ] بجنديّ من الأكراد قد بسط له سفرة فيها قصعة لبن ورقاق .
فقال له : من أعلمك بي !
قال : واللّه ، ولا أحد !
فطلب مماليكه وأكل ، وأمر له بستّمائة درهم .
فاتّفق أن جاءه كرديّ آخر في الجامع بعد هذا بمثل
ذلك ، فضربه ستّمائة عصا .
وكان إذا مات لأحد من أجناده فرس أعطاه ستّمائة درهم .
وكان يوقّع بخطّه على القصص فيغرب فيما يوقّع به : فمن ذلك أنّه لمّا كان في نيابة دمشق رفع إليه رجل قصّة يسأل فيها الحضور . فوقّع عليها بخطّه : الاجتماع مقدّر .
وكتب إليه شابّ جميل الصورة « 4 » قصّة يسأل فيها إقطاعا ، فوقّع عليها بخطّه : من كان يومه بخمسين وليلته بمائة ، ما له حاجة بالجنديّة !
وكتب إليه إنسان وهو بالكرك : قد كثرت أذيّة هؤلاء الصبيان للمملوك ويسأل كفّهم عنه ، فوقّع بخطّه : إن لم تصبر على أذى أولادهم ، وإلّا فأخرج من بلادهم ! .
ووقّع لآخر جرت له كائنة في الليل : قد أحصيناك ، فإن عدت إلى مثلها خصيناك .
ولمّا أمسك بدمشق قال لتنكز : أمّا أنا فقد أمسكت ، ولكن خذ أنت حذرك منه ! - وأوصى تنكز لمّا عيّن لنيابة دمشق بعده ، فقال : إن أردت أن تقيم نائبا فافعل ما أقول لك : اعلم أنّه يتلقّاك أهل غزّة إلى قطيا بالفاكهة والحلوى والخيول والتقادم . فإذا وصلت إلى غزّة جاءك أهل دمشق بالتقادم إليها . فإذا دخلت دمشق جاءوا إليك وقالوا لك : هذا الصاحب عزّ الدين القلانسيّ محتشم كبير [ و ] رئيس دمشق ، والسلطان وغيره يقبل تقادمه وهداياه ، وقد عمل ضيافة وجهّزها إليك - فتأخذها فيجيء إليك غيره ويقول : يا خوند ، ينكسر خاطري لكونك ما جبرتني مثل فلان - فتقبل منه ، فتقدّم لك الخيول وغيرها ، وتنحلّ الإقطاعات والإمرة والوظائف ، فيأتون
هامش
( 1 ) الشونة : مخزن الحبوب ( المطمورة ) .
( 2 ) البادهنج والبادنج : مخرج الدخان من السطوح .
( 3 ) المصقول : قماش خفيف يلبس في الصيف ، أمّا المفرك فلا نعرفه .
( 4 ) في المصادر الأخرى : أمرد .