فرأيت في منامي يوسف الصدّيق عليه السلام فقلت :
يا نبيّ اللّه ، أقرّ اللّه عينك بسلامتك من زليخا !
فقال لي : يا أبا بكر ، أقرّ اللّه عينك بسلامتك من العسفانيّة . ثمّ تلا عليه السلام :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] ، فصحت من طيبة تلاوته ورخامة صوته ، وانتبهت ، وإذا عيني المقلوعة صحيحة .
وقال : كنت مارّا في تيه بني إسرائيل ، فخطر ببالي أنّ علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة . فهتف بي هاتف من تحت شجرة : كلّ حقيقة لا تتبع الشريعة ، فهي كفر .
وقال أبو عليّ الروذباريّ : دخلت يوما على أبي بكر الزقّاق فرأيته بحالة عجيبة ، فسكتّ ساعة حتى رجع إليّ . فقلت : ما لك أيّها الشيخ ؟
فقال : ألم تعلم أني اجتزت بالحيرة في بعض تلك الخرجات وإذا شخص يقول [ الطويل ] :
أبت غلبات الشوق إلّا تطرّبا * إليك ويأبى العذل إلّا تجنّبا
وما كان صدّي عنك صدّ ملامة * ولا ذلك الإبعاد إلّا تقرّبا
ولا كان ذاك العذل إلّا نصيحة * ولا ذلك الإغضاء إلّا تهيّبا
عليّ رقيب منك حلّ بمهجتي * إذا رمت تسهيلا عليّ تصعّبا
وما هو إلّا أن أنشدني الشيخ حتى صرت مغلوبا لا أدري ما لحقني ، فلمّا أفقت قال لي : يا أبا عليّ ، لا عليك ، هكذا من تحقّق في بليّة لم يخل من البلاء حاضروه ، وإنّما هو زيادة بلاء صبّ منّى عليك « 1 » .
فقمت وتركته [ 159 ب ] .
674 - محيي الدين ابن باتكين [ 614 - 710 ] « 2 »
[ 79 أ ] أحمد بن نصر اللّه بن باتكين ، محيي الدين ، أبو العبّاس ، ابن أبي الفتح ، القاهريّ ، العدل .
ولد سنة أربع عشرة وستّمائة . وعانى الخدم .
وسمع على السديد عيسى ابن أبي الحرم إمام جامع الحاكم . وكان شاعرا ماهرا ، كتب إلى شعراء عصره ، وراجعه أدباء دهره .
ومات سنة عشر وسبعمائة .
ومن شعره قوله [ الكامل ] :
يا جفن مقلته سكرت فعربد * كيف اشتهرت على فؤاد المكمد ؟
ورميت عن قوس الفتور فأصبحت * غرضا لأسهمك القلوب ، فسدّد
لم تغضض الجفن الكحيل تغاضيا * إلّا لتقتلنا بسيف مغمد
من لم يبت بعذاب حبّك قلبه * متنعّما ، لا فاز منك بموعد !
للصبّ أسوة خال خدّك إنه * متنعّم في جمره المتوقّد
أهوى قوام الغصن تعطفه الصّبا * فعل الصّبا بقوامك المتأوّد
طربا ، وأصبو للغدير مجعّدا * بيد النسيم حكى صفيحة مبرد
إذ أشبهاك تأرّجا وتموّجا * بين الروادف والقضيب الأملد
هامش
( 1 ) هذه الفقرة الأخيرة مضطربة في المخطوط ، والإصلاح من المسالك 248 . -
( 2 ) الوافي 8 / 214 ( 3652 ) - الدرر 1 / 324 ( 818 ) .