تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
على فواته . فأمر المستعين في الوقت لأحمد بألف دينار بعث بها مع خادم إليه سرّا ، وأمره أن يومئ إليه إذا دخل مع الأتراك للسلام ليعرّف به . ففعل الخادم ذلك . وأشار إليه المستعين بالسلام ، وصار ذلك رسمه كلّما دخل . ولم تزل صلات المستعين تأتيه حتّى حسنت حاله ، وأنفذ إليه بجارية اسمها ميّاس فولدت له ابنه خمارويه .

[ وفاء ابن طولون ] :

فلمّا خلع المستعين بالمعتزّ باللّه وأخرج إلى واسط ، ندب الأتراك أحمد بن طولون معه وسلّموه إليه . فسار وأقام معه وبالغ مجاملة المستعين وأطلق له الصيد والتنزّه . ثمّ إنّ قبيحة أمّ المعتزّ كتبت إلى أحمد بقتل المستعين وأنّها تقلّده واسط [ ا ] . فكتب إليها : واللّه لا يراني اللّه عزّ وجلّ أقتل خليفة له في رقبتي بيعة وأيمان مغلّظة . - فعظم عند ورود كتابه في قلوب الأتراك ، وبعثوا بسعيد الحاجب وكتبوا معه أن يتسلّم المستعين من أحمد بن طولون . فأسلمه أحمد إليه بحضرة قاضي واسط . وخرج به سعيد إلى خيمة بالصحراء وقتله ومضى . فأتى أحمد وغسّله وصلّى عليه ودفنه . وسار إلى سرّ من رأى ، وقد تقلّد بايكباك « 1 » مصر وأراد من يخلفه عليها ، فقيل له : إن أحمد بن طولون الثقة الأمين ، الخيّر الدّين . فقلّده خلافته على مصر وضمّ إليه الجيش وبعثه . فدخل مصر يوم الخميس لسبع بقين من رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين ، مقلّدا للقصبة دون غيرها من الأعمال الخارجة عنها كالإسكندريّة ونحوها ، وعمره أربع وثلاثون سنة ويوم واحد . فلمّا جلس الناس لمشاهدة دخوله ، وفيهم الأعمى غلام أبي قبيل صاحب الملاحم ، سأله رجل عمّا يجده في كتبهم عن أحمد بن طولون فقال : هذا رجل نجد صفته كذا وكذا ، وأنّه يتقلّد البلد هو وولده قريبا من أربعين سنة . فما تمّ كلامه حتى أقبل أحمد بن طولون بالصفة التي وصفه بها الأعمى ، لم يغادر منها شيئا .

[ بسط نفوذه على مصر ] :

وكان يومئذ على خراج مصر أحمد بن محمد بن المدبّر . فأهدى إلى ابن طولون هدايا قيمتها عشرة آلاف دينار . فردّها عليه فتخوّفه ابن المدبّر وقال : هذه همّة عظيمة ! من كانت هذه همّته لا يؤمن على طرف من الأطراف - وتحدّث مع شقير الخادم مولى قبيحة أمّ المعتزّ ، صاحب البريد بمصر ، في مكاتبة الحضرة بإزالة ابن طولون . فورد عليه كتاب ابن طولون وفيه : قد كنت أعزّك اللّه ، أهديت لنا هدية وقع الغناء عنها ، ولم يجز أن نغتنم مالك ، كثّره اللّه ! رددناها توفيرا عليك . ونحبّ أن تجعل العوض منها الغلمان الذين رأيتهم بين يديك ، فأنا إليهم أحوج منك . وكان لابن المدبّر مائة غلام من الغور « 2 » لهم خلق حسن وبأس شديد يقفون بين يديه بالأقبية والمناطق ، وفي أيديهم مقارع غلاظ مقمّعة « 3 » في أطرافها بالفضّة ، يكونون عن جانبي مجلسه إذا جلس ، وركبانا قدّامه إذا ركب . فلمّا ورد الكتاب على [ ابن ] المدبّر بطلبهم قال : هذه أخرى أعظم ممّا تقدّم قد ظهرت من هذا الرجل إذ كان يردّ الأعراض والأموال ، ويستهدي الرجال [ 87 ب ] ويثابر عليهم . ولم يجد بدّا من إرسالهم ، فتحوّلت هيبة ابن
هامش
( 1 ) في النجوم 3 / 6 : باكباك ، وأنابه على الشام . وآخر من ولي مصر قبل ابن طولون هو أرخوز بن أولوغ طرخان ( النجوم 2 / 342 - الكندي 212 ) . ( 2 ) الغور : بين هراة وغزنة ( سيرة ابن طولون ، 44 هامش 1 ) . ( 3 ) المقرعة : كلّ ما قرعت به من سوط ونحوه ، ومقمعة : مختومة بقمع .