من هنا كان التهديد بالفصام ، وكانت بداية الفصل بين النظر والتطبيق ، واهتز تبعا لذلك بناء الإنسان المسلم نفسه ، وفقد كثيرا من المقومات التي تهيئه للإسهام في بناء خير أمة أخرجت للناس .
وبدأ العمل الاجتماعي الملتزم ينحسر إلى الفردية ، وبدأ الولاء للمصلحة الذاتية يتغلب على الولاء للمصلحة العامة ، ومن هنا كان الخلاف والاضطراب الذي أعقبه خطر التدهور الذي انطلق ناقوسه يدق بالنذير والتحذير .
* * *
جذور الداء وأصول الدواء :
ولكي نعثر على جذور الداء وأصل الدواء فإنا لا نجده مكتملا إلا في معرف الصوفية وحدهم ، وفي مجتمعاتهم ومناهجهم التربوية .
فالفقهاء والمحدثون والفلاسفة وعلماء النفس وغيرهم ليس من مناهجهم وجوب الاتصال بالطبقات الدنيا من الشعب ، ولا الرحلة في قراهم ونجوعهم بل إن الوعاظ المسلمين يتأبون على الطبقات الدنيا ، ويأبون القصد إليهم في أكواخهم ، بينما الصوفية يعتبرون الكبر على هؤلاء ضربا من الخروج على تقاليد الطريقة ورسومها .
وأصل الداء الذي أصاب المجتمع الإسلامي كما يراه الصوفية هو :
التنافس في العلو والرفعة في الدنيا .
وهذا الداء تفرعت عنه أدواء أخرى أهمها الصراع بين الطبقات طلبا للعلو والرفعة ، ويقول أبو بكر البناني في هذا الصدد :
« كونوا في اللّه ذاتا واحدة ، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ، وتنافسوا أيكم يكون أسفل من أخيه ، فإن التنافس في العلو من موجبات انقطاع الألفة ، كما أن التنافس في الذل من أقوى موجبات الألفة ،