ولايته ورفيع منزلته . . . مظهرا في الخطة أثر بركاته وحسناته ، عاملا على ما يقرّبه عند اللّه من مرضاته ، ويظفره بجزيل مثوباته ، بحول اللّه وقوته « 1 » » .
كذلك كان النباهي يبادل ابن الخطيب الثناء ؛ يذكر المقري أنّ النباهي كان يوما بمدينة سبتة ، يخاطب ابن الخطيب وهو بمدينة سلا ، برسالة أثنى فيها عليه فقال : « يا أيتها الآية البالغة وقد طمست الأعلام ، والغرّة الواضحة وقد تنكّرت الأيام ، والبقية الصالحة وقد ذهب الكرام ، أبقاكم اللّه تعالى البقاء الجميل ، وأبلغكم غاية المراد ومنتهى التأميل ، أبى اللّه أن يتمكّن المقام بالأندلس بعدكم ، وأن يكون سكون النفس إلّا عندكم . . . » « 2 » . ويضيف أنّ النباهي كان كثيرا ما يقبّل يد ابن الخطيب ، ويسعى في مرضاته سعي العبد ، ثم انقلب عدوّا له وجاهره بعد انتقال الحال ، وجدّ في أمره مع ابن زمرك حتى قتل ابن الخطيب وانقضت دولته « 3 » .
ولما علم ابن الخطيب ، بأنّ سعايات النباهي وابن زمرك ومن يعضدهما تمكّنت فيه عند الغني باللّه ، أعمل الحيلة في الانفصال عن الأندلس ، والتحق بسلطان المغرب عبد العزيز بن علي المريني ، فشمّر النباهي عندئذ عن ساعد أذايته ، وأغرى سلطان المغرب بتتبع عثرات ابن الخطيب ، وشاع على ألسنة أعداء هذا الأخير كلمات منسوبة إلى الزندقة ، أحصوها عليه ونسبوها إليه ، ورفعت إلى النباهي ، كونه قاضي غرناطة ، فسجّل عليه بما يوجب الزندقة ، وبعث إلى سلطان المغرب في الانتقام منه بتلك السجلّات ، وإمضاء حكم اللّه فيه ، فصمّ عن ذلك وقال له : هلّا انتقمتم منه وهو عندكم ، وأنتم عالمون بما كان عليه « 4 » ؟ حينئذ أطلق ابن الخطيب عنان قلمه في سبّ النباهي وثلبه ، وأورد في كتابه « الكتيبة الكامنة » من مثالبه ما أنسى ما سطّره ابن خاقان في « قلائده » في ابن باجة المعروف بابن الصائغ « 5 » .
هامش
( 1 ) نفح الطيب ( ج 5 ص 136 - 138 ) .
( 2 ) المصدر نفسه ( ج 6 ص 118 ) .
( 3 ) المصدر نفسه ( ج 5 ص 119 ) .
( 4 ) العبر لابن خلدون ( م 7 ص 696 - 697 ) وأزهار الرياض ( ج 1 ص 211 ) ونفح الطيب ( ج 5 ص 138 ) .
( 5 ) نفح الطيب ( ج 5 ص 138 ) .