« لا يقدر العبد على ذلك . وإنما ذلك كلّه من فضل اللّه تعالى » قال : « وكيف يكون المسيح عبد اللّه ، وخلقا من خلقه ، وقد أتى بهذه الآيات ، وفعل ذلك كلّه ؟ » قلت :
« معاذ اللّه ! ما أحيا المسيح الموتى ، ولا أبرأ الأكمه والأبرص » فتحيّر وقلّ صبره ، وقال : « يا مسلم » تنكّر هذا ، مع اشتهاره في الخلق ، وأخذ الناس له بالقبول ! ؟
فقلت : « ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة إنّ الأنبياء يفعلون المعجزات من ذاتهم ؛ وإنما هو شيء يفعله اللّه تعالى على أيديهم ، تصديقا لهم ، يجري مجرى الشهادة » فقال : « قد حضر عندي جماعة من أولي دينكم والمشهورين فيكم وقالوا إنّ ذلك في كتابكم » . فقلت : « في كتابنا إن ذلك كلّه بإذن اللّه تعالى » وتلوت عليه منصوص القرآن في المسيح
« بِإِذْنِي
« 1 »
. . . »
وقلت : إنما فعل المسيح ذلك كلّه باللّه وحده لا شريك له ، لا من ذات المسيح . ولو كان المسيح يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص من ذاته وقوّته ، لجاز أن يقال إنّ موسى فلق البحر ، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته ! وليست معجزات الأنبياء - عليهم السلام - من ذاتهم دون إرادة الخالق ! فلما لم يجز هذا ، لم يجز أن تسند المعجزات التي ظهرت على يد المسيح ، للمسيح » .
وذكر ابن حيّان ، عمّن حدّثه أنّ الطاغية وعد القاضي أبا بكر بالاجتماع معه في محفل من محافل النصرانيّة ، ليوم سمّاه ، فحضر أبو بكر ، وقد احتفل المجلس ، وبولغ في زينته ، فأدناه الملك ، وألطف سؤاله ، وأجلسه على كرسي دون سريره بقليل ، والملك في أبّهته ؛ وخاصّته ورجال مملكته على مراتبهم . وجاء البطرك ، قيّم ديانتهم ، آخر الناس ، وحوله أتباعه يتلون الأناجيل ويبخّرون بالعود الرّطب ، في زيّ حسن ، فلمّا توسّط المجلس ، قام الملك ورجاله ، تعظيما له ، فقضوا حقّه ، ومسحوا أعطافه ، وأجلسه الملك إلى جنبه ، وأقبل على القاضي أبي بكر ، فقال له :
« يا فقيه ، البطرك قيّم الديانة ، ووليّ النّحلة » فسلّم القاضي عليه أحفل سلام ، وسأله أحفى سؤال ، وقال له : « كيف الأهل والولد ؟ » فعظم قوله هذا عليه وعلى جميعهم وطبقوا على وجوههم ، وأنكروا قول أبي بكر عليه . فقال : « يا هؤلاء ، تستعظمون
هامش
( 1 ) سورة المائدة 5 ، الآية : 110 .