بذلك كلّه ، أشفعنا القول في هذا الباب ، وجلبنا من الأنباء ما فيه عبرة لأولي الألباب - جعلنا اللّه من الذين يسمعون القول ، فيتّبعون أحسنه ؛ وصرف عنّا فتن القضاء ومحنه ، بمنّه وفضله . والحمد للّه ! لا حول ولا قوّة إلا باللّه ! .
وهذا في كتاب القضاة إلى القضاة ، وصفة من بلغ منهم رتبة الاجتهاد ، وحكم القاصر عن تلك المنزلة في استنباط الأحكام ، وكيفيّة الاستخلاف ، وفيمن يجوز له التقليد ، ومن لا يجوز له من الناس : والكلام فيما ذكرناه يرجع على القريب إلى فصول ، الأوّل منها في كتب القضاة ونبذ من المسائل المتّصلة بذلك .
[ المبحث الثاني : مسائل القضاء ]
[ الفصل الاوّل في كتاب القضاة إلى القضاة ]
[ إذا أتى القاضي كتاب من قاض آخر ]
والذي جرى أوّلا به بالعمل ، إذا أتى القاضي كتاب من قاض آخر ، يسأل الذي جاءه بالكتاب إحضار صاحبه إن كان في عمالته ؛ ثمّ إذا أحضره ، سأله البيّنة على كتاب القاضي أنّه من قبله . قال سحنون بن سعيد : ولينظر القاضي المكتوب إليه الكتاب ، فإن كان القاضي الذي كتبه قد ثبت عنده أنّه من أهل الاستحقاق للقضاء ، لفهمه ومعرفته بأحكام من مضى وآثارهم ، مع فهمه في دينه ، وورعه وانتباهه وفطنته ، غير مخدوع في عقله ، فإذا كان كذلك ، نظر في كتابه وعمل بما يجب فيه وإلّا فلا . قال صاحب « الجواهر الثمينة » ، وقد أتى فيها من صفات القاضي العدل بنحو ما تقدّم : فإن عرفه بأنّه ليس من أهل ذلك ، لم يقبله . وفي سمع يحيى : وإن لم يكن قاضي الكورة موثوقا به ، وفي الكورة رجال يوثق بهم ، كتب إليهم سرّا ليسألوا له عمّن شهد عنده من أهل تلك الكورة ؛ فإن كتبوا له أنّه مشهور بالعدالة ، معروف بالصلاح ، أجاز شهادته ، وإلّا تركها حتّى يعدل عنه من يرضى . وقال أشهب : إذا كتب إليه غير العدل ، أنّ بيّنة فلان تثبت عندي ، فلا يقبل كتابه ؛ لأنه ممّن لا تجوز شهادته وإن لم يعرف حاله ؛ فروى ابن حبيب عن أصبغ : إن جاءه بكتاب قاض لا يعرفه بعدالة ولا سخطة ، فإن كان من قضاة الأمصار الجامعة مثل المدينة ، ومكّة ، والعراق ، والشام ، ومصر ، والقيروان ، والأندلس ، فلينفذه ؛ وإن لم يعرفه ، وليحمل مثل هؤلاء على الصحّة ، وأمّا قضاة الكور الصغار ، فلا ينفذه حتّى يسأل عنه العدول وعن حاله .
[ إذا كتب قاض إلى قاض بكتاب فيه أمر من الأقضية ، وفيه اختلاف بين الفقهاء ]
وإذا كتب قاض إلى قاض بكتاب فيه أمر من الأقضية ، وفيه اختلاف بين