المنصور بن أبي عامر قيّم دولته بغير التسديد على الرسم القيم ؛ قرأت مخاطبته لهما في كتاب ارتقاب الأهلّة المرسوم للقضاة في شهر رمضان ، ومخرجه على العادة المعروفة للأعلام فما يصحّ لديه من أمرها ؛ فكانت مخاطبته للأمير هشام : « أصلح اللّه أمير المؤمنين سيدي ، وأبقاه ، وأيّده بطاعته » وكانت مخاطبته لحاجبه المنصور :
« يا سيدي ، ومن وفّقه اللّه لطاعته وعصمه بتقواه » .
واعتنى القاضي ابن زرب بطلب أصحاب ابن مسرّة « 1 » ، والكشف عنهم ، واستتابة من علم أنه يعتقد مذهبهم ؛ وأظهر للناس كتابا حسنا وضعه في الردّ على ابن مسرّة ، قرئ عليه وأخذ عنه ، وكان سنة 350 . استتاب جملة جيء بهم إليه من أتباع ابن مسرّة ؛ ثم خرج إلى جانب المسجد الجامع الشرقيّ ، وقعد هناك ؛ فأحرق بين يده ما وجد عندهم من كتبه وأوضاعه ؛ وهم ينظرون إليه في سائر الحاضرين .
ووقف يوما هذا القاضي بباب أبي بكر الزّبيديّ النحويّ ، معلّم الخليفة هشام ؛ فلما أوذن به ، بادر بالخروج إليه حافيا ، مكشوف الرأس ، كما كان يجلس في بيته ، فوقف بين يديه ، قائما على قدميه ، إجلالا له ، وأبلغ في شكره على تعهّد ؛ فوافاه ابن زرب حقّ تكرمته إيّاه ، وسأله الجلوس ؛ فأبى عليه وأنشده متمثّلا : [ الطويل ]
أقوم وما بي أن أقوم مذلّة * عليّ فإني للكرام مذلّل
على أنّها منّي لغيرك هجنة * ولكنّها « 2 » بيني وبينك تجمل
قال الحسن بن محمد في كتابه المسمّى ب « الاحتفال في تاريخ أعلام الرجال » :
وامتحن القاضي ابن زرب ، على فضله ، مع عوامّ الناس بقرطبة ، في باب ابتطائهم للسقي ؛ فدعا بهم في المحل الذي توالى عليهم بأعظم ما امتحن به قاض قبله ، وذلك أنّه برز بهم عشر مرات « 3 » ؛ حضر معهم المنصور محمد بن أبي عامر استسقاء واحدا ، ولبوسه ثياب بيض ، وعلى رأسه أقرف وشي أغبر ، على شكل أهل المصائب
هامش
( 1 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن مسرة ؛ متصوّف متفلسف أندلسي ، من دعاة الإسماعيلية ، من أهل قرطبة ، توفي سنة 319 ه ، ترجمته في جذوة المقتبس ( ص 63 ) وبغية الملتمس ( ص 88 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 687 - 689 ) .
( 2 ) في الأصل : « ولاكنها » .
( 3 ) في الأصل : « عشرة مرة » .