قال القاضي شمس الدّين ابن خلّكان « 5 » : كان رجلا صالحا شافعيّا فقيها ، انضمّ إليه خلق من الفقراء ، وأحسنوا فيه الاعتقاد ، وهم الطّائفة الرفاعيّة ، ويقال لهم الأحمديّة والبطائحيّة ، ولهم أحوال عجيبة من أكل الحيّات حيّة ، والنّزول إلى التّنانير وهي تضطرم نارا ، والدّخول إلى الأفرنة ، ونيام الواحد منهم في جانب الفرن والخبّاز يخبز في الجانب الآخر ، وتوقد لهم النّار العظيمة ، ويقام السّماع فيرقصون عليها إلى أن تنطفئ ، ويقال : إنّهم في بلادهم يركبون الأسود ، ونحو ذلك وأشباهه ، ولهم أوقات معلومة يجتمع عندهم من الفقراء بالبطائح عالم لا يحصون ، ويقومون بكفاية الجميع ، والبطائح عدّة قرى مجتمعة في وسط الماءين واسط والبصرة .
وقد صنّف النّاس في مناقب الشّيخ أحمد رحمه اللّه ، وأفردوا ترجمته ، وذكروا من كراماته ومقاماته أشياء حسنة .
وقال مؤدّبه الشّيخ يعقوب بن كرّاز : قال سيّدي الشّيخ أحمد : سلكت كلّ الطّرق الموصلة ، فما رأيت أقرب ولا أصلح ولا أسهل من الافتقار والذلّ والانكسار ، فقيل له : يا سيّدي فكيف يكون ؟ قال : يعظّم أمر اللّه ، ويشفق على خلق اللّه ، ويقتدي بسنّة سيّدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
وعنه أنّه قال : لو أنّ عن يميني خمسمائة يروّحوني بمراوح الندّ والطيّب وهم من أقرب النّاس إليّ ، وعن يساري مثلهم من أبغض النّاس إليّ معهم مقاريض يقرضون بها لحمي ، ما زاد هؤلاء عندي ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه ، ثمّ قرأ :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ .
« 6 »
قال : وكان سيّدي الشّيخ أحمد إذا حضر بين يديه تمر أو رطب يبقي الشّيص والحشف لنفسه فيأكله ، ويقول : أنا أحقّ بالدّون من غيري ، فإنّي مثله .
قال : وكان لا يجمع بين قميصين في شتاء ولا صيف ، قال : وكان ورده أنّه يصلّي أربع ركعات كلّ ركعة بألف
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
، ويستغفر اللّه كلّ يوم ألف
هامش
( 5 ) وفيات 1 / 171 .
( 6 ) الآية 7 سورة الحديد .