وجره ، قاعدا بالأصول فقها ودينا ، ناهدا كالأسد وقد جعلت له الأقلام عرينا ، فلو رآه الحليمي « 1 » لسفه رأيه ، أو الباقلاني لكان باقلا في الرواية والدراية ، كأنما عناه الغزي بقوله ، واقتصر به على طوله ، حيث قال : ( البسيط )
لم يبرح الفقه روضا فاق فيك له * سحابة ، وردّه منها ، وعبهره
ذو الدّرس سهل المعاني في عبارته * يكاد يحفظه من لا يكرّره
أمّا الجدال فميدان فوارسه * تقرّ أنّك دون النّاس عنترة
لا يرى الناس أفصح من عبارته ، ولا أملح من إشارته ، لو سمعه الأصمعي لم ينقل عربية عن أعرابه ، أو يونس بن حبيب لما قلّده سيبويه في إعرابه ، كأن عبارته السكر المذاب ، أو رشف الثنايا العذاب ، تدخل الأذن بلا إذن لفصاحتها ، ويرشفها الذهن لصناعتها ونصاعتها .
وكان شكله يرى ، وهو من أحسن الأشكال ومثله لا يرى ، وليه معه إلا أن يذل له الأنذال ، وعدوه سوى إن كال له الأنكال ، بعمّة لا يحسن أحد أن يديرها ، ولا يصدق تصويرها ، وطلعة يستحيي القمر أن يقابلها ، والشمس أن تشاكلها ، وشيبة عليها نور الإيمان ورفق الإيقان ، وكرم نفس لا ، وأما خطه فلم يكتب أحد في زمانه مثل تعليقه ، ولا يصل معه كاتب إلى تغليقه ، كأن طروسه رياض دبجها الغمام ، سطوره حدائق ألفاتها غصون ، والهمزات عليها حمام كأنما : ( الوافر )
تناول من لطافته نهارا * وفرّق فوقه ليلا بهيما
هذا إلى معارف حواها من سائر الفنون ، وأخذ من كل منها محاسن النكت وفوائد العيون ، فما باشر شيئا إلا وزانه ، ونفى عنه ما شابه وشانه ، تنقل في مباشرات الدولة ، ونال فيها الوجاهة والعز والصون والصولة ، وولي في آخر عمره قضاء قضاة حلب غصبا ، ولقي فيها نصبا ، وإن كان قد وجد فيها رفعا ونصبا ، ثم إنه عزل منها ، وطلب إلى باب السلطان فما وصل ، ونزع خضاب سعده ونصل ، ومرض في طريق الرمل ، وانبت من حياته الشمل فعدم الوجود كماله ، وما وصل جرح حياته اندماله ، وأدركه أجله في بلبيس سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وله من العمر ستون سنة ، وحمله ولده عبد الرحمن إلى القاهرة ، ودفنه بالقرافة عند الشافعي رضي اللّه عنه .
هامش
( 1 ) الحليمي هو : الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي ، توفي سنة 403 ه . ( انظر :
سير أعلام النبلاء : 17 / 232 ) .